حقّق الذكاء الاصطناعي اختراقا كبيرا في الساحة الموسيقية العالمية مع مطلع عام 2026، حيث تصدّرت نسخة “أفرو سول” من أغنية Papaoutai للنجم ستروماي، واجهة الأحداث الفنية بعد تحقيق أرقام مذهلة، فقد أطلقت النسخة في 20 ديسمبر 2025 وتحوّلت إلى ظاهرة رقمية اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي محقّقة أكثر من 50 مليون استماع في وقت قياسي.
وأصبحت “بابوتاي” ركيزة أساسية لصنّاع المحتوى على منصة تيك توك حيث استُخدمت كخلفية لأكثر من 4 ملايين فيديو، ما ارتقى بها إلى قائمة أفضل 150 أغنية استماعا على منصة سبوتيفاي العالمية.
ويعود هذا النجاح الباهر إلى ما يعرف بالفنانين الافتراضيين، حيث نُسب العمل إلى “Mikeeysmind” و”Chill 77” وهما هويتان رقميتان لا وجود لهما في الواقع المادي، فقد تمت عملية إنتاج هذا العمل الموسيقي بالكامل باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي التي أعادت صياغة النسخة الأصلية الصادرة في يونيو 2013، برؤية موسيقية جديدة تماما، وتولت شركة الإنتاج السويدية “Unjaps” الإشراف على هذا المشروع، وهي دار إنتاج متخصّصة في ابتكار نسخ بديلة مثيرة للجدل تهدف إلى محاكاة النجاحات الكبرى بجهد بشري محدود.
وواضح أن قصة نجاح هذه الأغنية ـ في نسختها الذكية – تمثل جزء من مشهد موسيقي آخذ في التغيّر الجذري، حيث صارت الأعمال المولدة آليا قادرة على منافسة النجوم الحقيقيين وتصدّر المراتب الأولى، مثلما حدث مؤخرا مع مغني الكانتري الافتراضي “Breaking Rust”. وتعكس هذه الأرقام واقعا جديدا كشفت عنه دراسات حديثة، حيث أقر 97 بالمائة من المستمعين بعجزهم عن التمييز بين الإبداع البشري والإنتاج الخوارزمي.
وفي ظلّ ضخّ نحو 15 مليون عنوان موسيقي مولد آليا سنويا في المنصات العالمية، صارت الإنتاجات تمثل حاليا نحو 39 بالمائة من إجمالي الاستماعات اليومية، ما يضع مستقبل الصناعة الموسيقية التقليدية أمام تحديات غير مسبوقة.
ولم يعد التمدّد الرقمي مقتصرا على النغمات والألحان، بل تجاوزها ليمد أذرعه نحو الفنون التشكيلية والكتابة الأدبية في تحول جذري لم تشهده البشرية من قبل، فقد صارت خوارزميات التوليد الصوري والنصي تنافس كبار المبدعين، حيث تضخ في الفضاء الرقمي يوميا آلاف اللوحات والتصاميم التي تحاكي أرقى المدارس الفنية، ما خلق واقعا يصعب فيه على العين المجرّدة وحتى على المتخصّصين أحيانا التفريق بين ما خطته ريشة فنان وما أنتجته معالجات الآلة في ثوانٍ معدودة.
وفي ميدان الكلمة الجميلة، لم يعد الأدب محصنا ضد الاجتياح، إذ أصبحت النماذج اللغوية الكبيرة قادرة على تأليف قصائد وقصص قصيرة، وحتى مقالات صحفية متكاملة بأساليب تحاكي بدقة لغة الإنسان وعواطفه، ولا شكّ أن هذا التداخل بين الجهد البشري والمنتج الخوارزمي يؤدي إلى ضبابية في مفهوم الملكية الفكرية، حيث لم تعد الكلمات تعكس بالضرورة تجربة ذاتية أو شعورا حيا، بقدر ما تكون نتيجة لعملية إحصائية معقّدة تتوقّع الكلمة التالية بناء على مخزون هائل من التراث الأدبي البشري السابق.
وعلى الصعيد القانوني، تحاول الهيئات الدولية وبينها جمعية المؤلفين والملحنين وناشري الموسيقى “Sacem” ضبط هذا المشهد المتسارع بوضع أطر شرعية تضمن الحد الأدنى من العدالة.
وترى الجمعية أن هذه الأعمال تظلّ مقبولة قانونيا طالما التزمت بذكر المؤلفين الأصليين الذين استُخدمت أعمالهم لتغذية هذه الخوارزميات، مع ضمان تدفق عوائد مالية من الاستماع والمبيعات لصالحهم في مسعى إلى تحويل التهديد التقني إلى فرصة استثمارية تضمن استمرارية دخل المبدعين في ظلّ التغيرات التكنولوجية العنيفة.
ومع ذلك، يظلّ الجدل الأخلاقي قائما بشدّة حول ما يعرف بـ«الحق المعنوي” للفنان، وهو حق لا يمكن شراؤه أو تعويضه بالمال وحده، فالمسألة تتجاوز مجرد الحصول على نسبة من الأرباح لتصل إلى جوهر العملية الإبداعية، ويتساءل كثيرون عن أحقية الآلة في محاكاة البصمة الفنية الفريدة للبشر دون موافقة صريحة من أصحابها.
إن استخدام “روح” العمل الفني وأسلوب صاحبه لتوليد محتوى جديد يمثل في نظر عدد من المتابعين والدارسين انتهاكا لخصوصية الإبداع وتعديا على التاريخ المهني للمبدع.
ويبقى السؤال الفلسفي حول مدى قدرة الآلة على محاكاة “الروح الإبداعي” للبشر هو التحدي الأكبر الذي يواجه مستقبل الثقافة، فبينما تبرّع الخوارزميات في إعادة تدوير الأنماط وتوليد الجمال البصري أو اللغوي، تظلّ العاطفة الصادقة والدافع الإنساني خلف العمل الفني هما العنصرين اللذين لا يمكن للرموز البرمجية استنساخهما. إن مستقبل الفن سيعتمد بلا شكّ على كيفية رسم الحدود بين مساعدة التقنية للإنسان وبين استبدالها الكامل له، في صراع أبدي بين برودة الكود وحرارة الإبداع البشري.




