الرّئيـس تبـون يحقّـق حلـم الزّعيــم الرّاحـل هـواري بومديـن
صرارمة: مشــروع غـارا جبيـلات يشكّـل رافعة للاقتصـاد الوطني
هادف: غارا جبيــلات خطــوة مفصليـة نحـو تعزيـــز الصّناعة الوطنية
حمروني: غارا جبيـلات سيضخ تريليـــون دولار بخزينـة الدولــة
جمعة: مشروع سيادي لإعـادة رســم الجغرافيا الاقتصاديـة للجزائــر
شادلي: المنجـم رافعـــة للتّنميـة الاجتماعيـة بالجنـوب الغربـي
مشروع إستراتيجي غـــير مسبوق
يعدّ منجم غارا جبيلات الذي يوصف “بالعملاق الحديدي النائم”، أحد أكبر تحديات الجزائر المتنصرة المنتشية بمؤشّرات اقتصادها الصاعد، ونجاح تجربتها الرائدة في قطاع الاستثمار خارج قطاع المحروقات؛ فمنذ اكتشافه للمرة الأولى سنة 1952 إبان فترة الاستعمار الفرنسي، وبعد الإستقلال، ظلّ حبيس الأفكار والأدراج بسبب عوائق لوجيتسية وتضاريسية صعبة. وبقي مشروع منجم غارا جبيلات مجمّدًا إلى أن وصل رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، إلى مقاليد الحكم، الذي أعلن في بداية العهدة الأولى 2019 – 2024، بداية استغلال وتطويع جيوغرافيا هذا القطب الحديدي في مرحلته الأولى، ببرنامج استثماري جزائري – صيني ضخم، ثمّ تدشينه ووضعه حيز الخدمة بصفة رسمية.
شرعت الجزائر في تثمين ثرواتها المنجمية الوطنية، لاسيما منجم غارا جبيلات في ولاية تندوف (1800 كلم جنوب غرب الجزائر العاصمة)، الذي يُعد أحد أكبر مناجم الحديد في إفريقيا والعالم باحتياطات تقدّر بـ 3.5 مليار طن من الخام، ضمن إستراتيجية تنموية متعدّدة الأبعاد، تبنّاها رئيس الجمهورية لتعزيز قطاع التعدين والمناجم، واستغلال موارد البلاد الطبيعية لدعم الاقتصاد الوطني وتنويع مصادره غير الطاقية.
وبهذا الإنجاز الاقتصادي التاريخي في عهد الرئيس تبون، تُعلن الجزائر تجسيد حلم زعيمها وقائدها الثوري رئيسها الراحل هواري بومدين، وتحويل هذا المنجم إلى معجزة تنموية حقيقية ستدر أكثر من تريليون دولار على الخزينة العمومية، رغم التحديات الجغرافية المعقّدة التي صاحبت استغلاله على أرض الواقع، بحسب خبراء.
ويشهد الطلب العالمي على خام الحديد ارتفاعًا كبيرًا، مدفوعًا بتعاظم الاستثمارات في البنية التحتية والأشغال البنائية، خاصة مع النمو الذي يتوقعه البنك الدولي لكل من الصين والولايات المتحدة، المعتبران من أكبر مستهلكي الصّلب في العالم، ممّا سيؤدي لارتفاع أسعار المعدن في غضون السنوات القليلة القادمة.
ومن المُنتظر أن يُحفّز ارتفاع أسعار خام الحديد الجزائر على رفع وتيرة الاستخراج من منجم غارا جبيلات، والتوجّه بسرعة وقوّة نحو رفع صادراتها من هذا المعدن الأساسي، وتنويع مصادر دخل اقتصادها، مع استحداث آلاف مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة خلال تشغيل المركب والمعامل ومصانع التحويل، والنقل البري والسككي، وخدمات اللوجستيك وغيرها من المرافق المُلحقة بالمشروع.
إعادة هيكلة الاقتصاد الجزائري
أكّد أستاذ العلوم الاقتصادية وعلوم التسيير بجامعة الشهيد العربي بن مهيدي في ولاية أم البواقي، البروفيسور عبد الوحيد صرارمة، أنّ مشروع استغلال منجم غارا جبيلات يتّجه نحو دخول مرحلة الإنتاج الفعلي مطلع سنة 2026، بعد عقود طويلة من الانتظار، ليشكّل واحدا من أكبر المشاريع التعدينية في إفريقيا والعالم، التي حرص رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، على إطلاقها في عهده.
كشف البروفيسور عبد الوحيد صرارمة، في تحليل خصّ به “الشعب”، أن منجم غارا جبيلات الذي يقع على بعد 130 كلم جنوب شرقي ولاية تندوف، يحتوي احتياطيات تقدّر بـ 3.5 مليار طن من خام الحديد، منها 1.7 مليار طن قابلة للاستغلال والاستخراج في المرحلة الأولى وحدها.
وعلى الرغم من ضخامة المشروع، أبرز محدّثنا أنّه لا يتعلق بمجرد استخراج الحديد من باطن الأرض، وإنما هو مخطط اقتصادي يحمل في طياته رهانات إستراتيجية كبرى تتجاوز حدود قطاع المناجم، لتطال مستقبل البنى التحتية الاقتصادية في الجزائر، وتنويع الصادرات خارج المحروقات، وتنمية المناطق الداخلية والجنوبية، وتعزيز مكانة بلد الشهداء في السوق العالمية لمادة الحديد.
منجم ضخم برؤية اقتصادية متكاملة
أوضح البروفيسور عبد الوحيد صرارمة، أنّ الجزائر أطلقت عملية الاستغلال رسميًا لمنجم غارا جبيلات في جويلية 2022، على مساحة أولية تقدر بـ 5000 هكتار، وتمّ تقديم المشروع كأحد الأعمدة المستقبلية للاقتصاد الوطني؛ ذلك أن المخطط لا يقتصر على استخراج الخام، بل يقوم على سلسلة متكاملة تشمل النقل، والتحويل الصناعي، والشراكات الدولية وغيرها من المعاملات.
وأفاد صرارمة أنّ من بين الركائز الأساسية لهذا المشروع الحيوي، يوجد شبكة السكة الحديدية الرابطة بين غارا جبيلات وولاية تندوف ثمّ إلى ولاية بشار على طول 950 كلم، والتي اكتمل إنجازها وستدخل الخدمة نهاية العام الحالي، معتبرًا هذا الخط عمودًا فقريًا لنقل خام الحديد بكلفة جدّ تنافسية نحو وحدات المعالجة في بشار، ومنها إلى المصانع وموانئ التصدير في ولاية وهران.
وسيوفّر المنجم بحسب التقديرات الرسمية ما بين 3000 و5000 منصب عمل في مرحلة الاستغلال لفائدة ساكنة ولايات الجنوب الغربي الحدودية، إضافة إلى مئات الوظائف غير المباشرة في الخدمات اللوجستية والمناولة والتحويل والنقل، يذكر المحلل عبد الوحيد.
كما يشكّل الاستهلاك الداخلي السنوي من مادة الحديد المقدّر بحوالي 10 ملايين طن، مثلما أضاف الخبير ذاته، دافعًا إضافيًا لتسريع وتيرة استغلال المنجم، إذ سيساهم غارا جبيلات بداية بـ 4 ملايين طن، قبل أن ترتفع طاقته إلى 10 ملايين طن بعد اكتمال وحدات المعالجة، بما يسمح ولأول مرة بالاتجاه نحو الاكتفاء الوطني، وتصدير الفوائض باستدامة إلى الخارج.
قاطرة جديدة للتّنمية الاقتصادية
يرى البروفيسور عبد الوحيد صرارمة، أنّ المناجم ليست هدفًا في حدّ ذاتها، بل وسيلة لتحويل “رأس المال الطبيعي” إلى ثروة مستدامة، منوّهًا أن التجارب الدولية تقدم نماذج متعددة تُظهر أن المناجم يمكن أن تكون مفتاحًا للنمو ومحركًا قويًا للاقتصاد.
وتوقّع صرارمة أن يشكّل مشروع استغلال منجم غارا جبيلات رافعة حقيقية لتنويع الاقتصاد الوطني وتعزيز موارد الدولة، من خلال ما سيولّده من تدفّقات مالية معتبرة تشمل الضرائب والإتاوات على الإنتاج، وأرباح الشراكات الصناعية القائمة مثل “توسيالي” و«فيرال”، إضافة إلى عوائد التصدير بالعملة الصعبة.
وعلى الصعيد الاجتماعي والاقتصادي، سيوفّر المشروع فرصًا واسعة لخلق مناصب الشغل المباشرة داخل المنجم ووحدات المعالجة، فضلا عن الوظائف غير المباشرة في قطاعات الخدمات والنقل والأمن والتموين، وفتح المجال لظهور صناعات مساندة ومرافقة في مجالات المعدات والإنشاءات والمواد الكيماوية وغيرها، وفقًا له.
وتابع بالقول: “يُنتظر أن تُسهم الاستثمارات الضخمة في البنى التحتية مثل خط السكة الحديدية وخطوط الكهرباء ومحطات التحلية، في تحويل الجنوب الغربي إلى قطب اقتصادي صاعد تتجاوز فائدته إطار المشروع نفسه. وإلى جانب ذلك، يعزّز المشروع جاذبية الجزائر للاستثمارات الأجنبية، سواء عبر الشراكات مع الشركات الصينية لإنشاء وحدات تحويل، أو عبر توسعة قدرات مركب “توسيالي”، أو من خلال اهتمام الشركات العالمية بتأمين مصادر مستقرة وقريبة للحديد. وفي موازاة كل هذا، يفتح المشروع آفاقا جديدة لتنمية رأس المال البشري عبر برامج تكوين متخصّصة في المهن التقنية والجيولوجيا والهندسة وعمليات التشغيل والصيانة، بما يعزّز انتقال الخبرة والتكنولوجيا إلى الكفاءات الوطنية”.
بُعد تنموي محلي لتندوف وبشار
اعتبر البروفيسور عبد الوحيد صرارمة مشروع منجم غارا جبيلات فرصة سانحة لتحويل منطقة الجنوب الغربي، التي لطالما عانت من نقص التنمية، إلى فضاء اقتصادي وطني وإقليمي نشيط.
وتوقّع صرارمة أن تساهم الاستثمارات الجديدة في إنشاء الطرق ومحطات للكهرباء والمياه وشبكات الاتصالات الحديثة في تحسين ظروف الحياة اليومية للسكان، خاصة القاطنين في المناطق الريفية والمعزولة بولايتي تندوف وبشار، فضلا عن استفادة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في المنطقة من عقود التموين والنقل والصيانة والخدمات اللوجستية، وغيرها من الخدمات المرافقة للمشروع المنجمي، ما سيعزّز ديناميكية الاقتصاد المحلي.
ومع تدفّق اليد العاملة وارتفاع النشاط الاقتصادي، ستزداد الحاجة إلى المتاجر والمساكن والمطاعم والخدمات المتنوعة، ممّا يفتح الباب أمام مبادرات تجارية واستثمارية جديدة في مختلف القطاعات، غير أن هذه الفرص لا تخلو من تحديات، على غرار المخاطر البيئية، والضغط المتزايد على مرافق الصحة والتعليم في تلك الناحية من الوطن الكبير، وفقًا للباحث نفسه.
لاحظ البروفيسور عبد الوحيد، أنّ استغلال مشروع منجم غارا جبيلات لا يقتصر على التعدين فحسب، بل يستند إلى حزمة من الاستثمارات الضخمة التي تشكل العمود الفقري لنجاحه، وتُبرز طابعه الاستراتيجي غير المسبوق.
واعتقد صرارمة أنّ هذه الاستثمارات تتصدّرها شبكة السكك الحديدية التي تقدر كلفتها بين 1.5 و2.75 مليار دولار، مخصّصة لربط المنجم بوحدات المعالجة ثم موانئ التصدير، وكذا مشروع توفير المياه، إذ يتطلّب المركب ما بين مليار وملياري دولار لبناء محطات تحلية ونقل المياه لمسافات تتجاوز 1000 كيلومتر داخل منطقة جغرافية صحراوية جدّ صعبة.
أمّا على صعيد الطاقة، فتتراوح الاستثمارات الموجهة للكهرباء بين 1.3 و2.5 مليار دولار من خلال إنشاء خطوط نقل عالية التوتر، ومحطات توليد تعتمد على الغاز أو الطاقة الشمسية، يضاف إلى ذلك مشاريع الموانئ والطرق، التي تتراوح تكلفتها بين 700 مليون و1.4 مليار دولار لتأمين تصدير الخام واستقبال المعدات والآليات الثقيلة، يذكر المختص.
وباحتساب مختلف الملحقات الاستثمارية المصاحبة للمشروع المنجمي الأضخم في إفريقيا والعالم، رأى صرارمة أن القيمة الإجمالية للاستثمارات قد تصل إلى نحو 7 مليارات دولار، وهو رقم يجسد حجم الرهان الذي تضعه الجزائر على هذا المشروع الإستراتيجي لتحويله إلى قطب اقتصادي متكامل.
الجنوب الغربي في قلب معادلة التّنمية
من جهته، أوضح المستشار الدولي في التنمية الاقتصادية، البروفيسور عبد الرحمان هادف، أنّ الجنوب الغربي صار في قلب معادلة التنمية الوطنية، بإنجاز مشروع منجم غارا جبيلات ومصانع التحويل المحلية، ضمن رؤية اقتصادية وتنموية ذات بعد دولي.
وفي تصريحه لجريدة “الشعب”، أكّد البروفيسور عبد الرحمان هادف، أن هذا النوع من المشاريع الكبرى يكتسي بُعدًا بنيويًا في الجزائر، ولا يقتصر تجسيده على خلق القيمة الإقتصادية فحسب، بل يُمثِّل أداة إستراتيجية لإعادة توزيع التنمية الوطنية، وتحقيق التوازن الجهوي المنشود.
ومن خلال استغلال المقوّمات الطبيعية والموارد في مختلف ربوع الوطن، شرح هادف أنّها ستُسهم في تعزيز التنمية المحلية، وتوفير فرص شغل مستدامة، ورفع مستوى العدالة الاجتماعية، بما يضمن إشراك جميع المناطق، خصوصاً النائية، في مسار التنمية الوطنية. وفي هذا السياق، جاء مشروع المنجم ومصانع معالجة خام الحديد في الجنوب الغربي، لتشكّل نموذجًا حيًا في كيفية تحويل الموارد الوطنية إلى دعائم ومحركات للنمو الاقتصادي والتقدّم والرّفاه الاجتماعي.
وأردف: “يُعدّ تحديد يوم لتدشين المنجم ومصانع معالجة خام الحديد في تندوف وبشار، لفتة احتفالية وطنية، ورسالة رمزية قوية تعكس الأهمية الإستراتيجية لهذا المشروع. فالاحتفال بهذا اليوم يسلط الضوء على جهود الدولة والمواطنين والمستثمرين في إنجاز مشروع له أثر اقتصادي واجتماعي ملموس، ويعزز روح الانتماء والفخر الوطني لدى الشعب الجزائري، خصوصاً سكان مناطق الجنوب الغربي، الذين سيشهدون بشكل مباشر فوائد هذا الإنجاز على حياتهم اليومية ومستوى معيشتهم. كما يشكّل هذا اليوم مناسبة لتأكيد التزام الدولة بالنهج التنموي الذي يجمع بين التنمية الاقتصادية والاجتماعية على حد سواء”.
الجزائر تدخل مرحلة جديدة من التّطوّر
وصف البروفيسور عبد الرحمان هادف تنفيذ مشروع غارا جبيلات بالخطوة المفصلية نحو تعزيز الصناعة الوطنية، وبناء سلسلة اقتصادية متكاملة. من خلال إنشاء مصانع معالجة في تندوف وبشار والنعامة، سيتم عبرها استغلال خام الحديد داخليًا بما يقلص الاعتماد على واردات الخامات أو المنتجات نصف المصنعة، وبالتالي تعزيز القيمة المضافة محليًا.
هذا التحول الصناعي، مثلما أبرز لهادف، سيُوفّر فرص شغل مباشرة وغير مباشرة، ويحفّز إقامة مشاريع مساندة في الخدمات اللوجستية والصناعات التحويلية. ومن ثم، فإنّ المشروع يمهّد الطريق لدخول الجزائر مرحلة جديدة من التطور الاقتصادي القائم على الاستغلال الأمثل للموارد الوطنية، ودعم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وترفيع قدرة البلاد على المنافسة في الأسواق الإقليمية والدولية.
كما يُعتبر المشروع امتدادًا طبيعيًا لرؤية إستراتيجية شاملة تهدف إلى إشراك كافة مناطق الوطن في التنمية؛ ذلك أنّه يتيح لسكان الجنوب الغربي فرص المشاركة الفعلية في النشاط الاقتصادي من خلال العمل في المصانع والمناطق الصناعية المرتبطة بها، ويحفّز إنشاء مشاريع محلية صغيرة ومتوسطة تدعم الاقتصاد الداخلي، وفقًا له.
وبناءً على ذلك، يصبح الإنجاز ليس مجرد مشروع صناعي، بل أداة لتقريب التنمية من المواطن، ورفع جودة الحياة، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وهو ما يعكس التزام الدولة بتحويل السياسات التنموية إلى واقع ملموس ينعكس إيجاباً على كل مكونات المجتمع، يضيف المستشار.
ربط الجنوب الغربي بالسكك الحديدية
اعتبر هادف الخطّ السككي الرابط بين ولايتي تندوف وبشار، محورًا حيويًا للمشروع؛ لكونه يعزّز الربط بين مناطق الإنتاج والموانئ والمصانع، ويخفض تكاليف النقل، ويسرّع وتيرة استغلال المناجم، مشيرا أن هذا الربط اللوجستي لا يتوقف على نقل الخامات فحسب، وإنما يخلق منظومة اقتصادية متكاملة تتيح تطوير مناطق الجنوب الغربي لتصبح منصات صناعية ولوجستية جاذبة للاستثمار العمومي والخاص، تزيد من تنافسية الصناعات الوطنية، وتدعّم الاستقرار الاقتصادي على المستويين الإقليمي والوطني.
وتُمثِّل مصانع معالجة خام الحديد في الجنوب الغربي، نموذجًا واضحًا لكيفية تحويل الموارد الطبيعية إلى محركات للنمو الاقتصادي المستدام، مع إحداث تأثير ملموس على التنمية المحلية وتوفير فرص شغل حقيقية لسكان المنطقة، في حين يعكس المشروع في شكله الكلي قدرة الدولة على تبني استراتيجيات متكاملة تجمع بين التنمية الاقتصادية والاجتماعية، مع إشراك المواطنين في مسار تطوير وتقدم بلادهم، يقول الخبير ذاته.
وإلى جانب خطّ السكة الحديدية الضخم المرافق له، خلص البروفيسور عبد الرحمان، إلى أن مشروع منجم غارا جبيلات يرسّخ قواعد التوازن الجهوي ويؤسس لبنية صناعية ولوجستية قوية، يمكن أن تُشكِّل قاعدة لانطلاق مشاريع مماثلة في مناطق أخرى، بما يعزّز العدالة الاجتماعية، ويدعم رؤية شاملة لاقتصاد قادر على المنافسة وتحقيق الاكتفاء الذاتي التدريجي، ويكون مثالاً حيًا عن كيفية تطويع السياسات التنموية الإستراتيجية وتحويلها من قرارات حكومية ناجعة، وواقع ملموس ينعكس إيجابًا على المواطنين والاقتصاد الوطني.
خطوة تاريخية ومحورية في الجزائر الجديدة
وبدوره، نوّه رئيس مجلس الاستثمار والتعاون الدولي، إسماعيل حمروني، بانبعاث مشروع غارا جبيلات برؤية رشيدة من قِبل رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، ليكون دعامة ورافعة جديدة للاقتصاد الوطني.
ووصف إسماعيل حمروني، في حديثه لـ«الشعب”، مشروع منجم غارا جبيلات وفي ولاية تندوف، بالخطوة التاريخية والمحورية، التي ستعيد تشكيل الخارطة الاقتصادية للجزائر الجديدة، إذ يمثل تدشينه، اليوم، شهادة حيّة على الإرادة السياسية القوية، والرؤية الاستشرافية الحكيمة للقيادة العليا في البلاد.
وأبرز حمروني، أنّ تدشين هذا الصّرح المنجمي والصناعي العملاق، ليس مجرد إطلاق لمشروع استخراجي معدني، بل هو إعلان عن ميلاد قطب تنموي متكامل، ومحور استراتيجي لتنويع الاقتصاد الوطني بعيداً عن قطاع المحروقات والطاقات التقليدية بشكل عام.
علاوة على ذلك، يترجم هذا الإنجاز النوعي، التزام الرئيس تبون بـ«رفع التجميد عن المشاريع الكبرى المهيكلة”، وتوفير آلاف مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة لساكنة ولايات الجنوب الغربي، وبالتالي ترسيخ السيادة الاقتصادية للجزائر، ووضعها على سكة التصنيع الثقيل العالمي، بحسب المصدر ذاته.
ثروة معدنية سيادية تريليونية
وفي سؤال عن القيمة التقديرية المالية الكلية لمنجم غارا جبيلات، اعتقد إسماعيل حمورني، أن هذا الأمر معقّد لأن القيمة الحقيقية لمنجم ضخم تقاس بعدة أبعاد وليست برقم واحد ثابت، إلا أنه يمكن تقدير القيمة الكلية المحتملة للمركب على مدى عمره التشغيلي، بناء على حجم الاحتياطي الهائل والعائدات السنوية المتوّقعة، مع الأخذ في الاعتبار أن القيمة قد تكون بالغة الضخامة وأكثر مما يتصوّره البعض.
وأضاف حمروني أن القيمة الكلية المحتملة لمنجم غارا جبيلات تُحسب نظريًا بضرب كمية الاحتياطي القابل للاستغلال في سعر السوق المتوقع للمنتج النهائي، مثل حديد التسليح وليس خام الحديد المستخرج.
وشرح رئيس مجلس الاستثمار: “الاحتياطي القابل للاستغلال 1.7 إلى 2 مليار طن، هو الخام الذي يمكن استخراجه عمليًا، في حين سعر الطن من حديد التسليح التقريبي 600 إلى 800 دولار، يختلف حسب الأسواق العالمية والتركيز، وهو أعلى بكثير من سعر الخام 150-200 دولار. وبالتالي التقدير النظري للقيمة الكلية إذا قمنا بأخذ الحد الأدنى للاحتياطي القابل للاستغلال (1.7 مليار طن) وضربناه في سعر متوسط لبيع الخام محولا إلى صلب حديد تسليح (لنفترض 600 $ طن) تكون القيمة النظرية الإجمالية التقريبية 1.7×600=1.02، وهو ما يساوي أو يتجاوز 1 تريليون دولار أمريكي (1000 مليار دولار”.
هذا الرقم المتوقع المُتمثِّل في تريليون دولار أمريكي، هو قيمة نظرية إجمالية تعبر مدى عمر المنجم بأكمله (المقدر بمئات السنين)، أي أن هذه القيمة لا تعني أنها ستدخل خزينة الدولة دفعة واحدة، بل هي عائدات إجمالية متوقعة تدريجية التحصيل من بيع المنتج النهائي لكامل الاحتياطي، يذكر إسماعيل.
والأهم من القيمة النظرية الكلية، بحسب محدثنا، هو التدفق النقدي السنوي الذي سيوفره المنجم للاقتصاد الجزائري، متوقعا أن تتجاوز مداخيله السنوية بين 10 و16 مليار دولار، وتوفير فاتورة استيراد ما يصل إلى 2 مليار دولار سنويا لتلبية احتياجات السوق المحلية، وهو الأهم في هذه العملية.
وعلى هذا الأساس، يمكن وصف منجم غارا جبيلات بأنه “كنز اقتصادي فريد للجزائر الجديدة والمنتصرة”، حيث يُقدر احتياطيه بقيمة سوقية نظرية تتجاوز التريليون دولار على المدى الطويل، مع إمكانية توفير عائدات سنوية قياسية للخزينة العمومية خارج قطاع المحروقات قد تناهز 16 مليار دولار، يضيف رئيس مجلس الإستثمار والتعاون الدولي، إسماعيل حمروني.
عشرات ملايين الأطنان من الخامات سنويًا
أفاد الخبير الاقتصادي والمالي الدولي، البروفيسور نبيل جمعة، أن غارا جبيلات الذي يقع في أقصى جنوب-غرب الجزائر -ولاية تندوف، يقع على امتداد صحراوي نائي، باحتياطات وقدرات إجمالية معلنة بـ 3.5 مليار طن من خام الحديد، ومن هذا المجموع يُقدَّر أن يكون حوالي 1.7 مليار طن قابل للاستغلال في المراحل الأولى.
وفي اتصال مع “الشعب”، أبرز البروفيسور نبيل جمعة، أن الممتلكات المعدنية بغارا جبيلات تغطي نحو 50 ألف هكتار وفق تقارير محلية، على أن تتضمن خطط الإنتاج والنطاق التشغيلي مراحل تطوير متدرجة، بداية بعمليات أولية وتجارب استخلاص بدأت منذ سنة 2022، مع برنامج لتدشين وحدات معالجة وإنتاج مركّزات حديدية على مراحل متسلسلة بين عامي 2024 و2026، وما بعدهما.
وأشار جمعة إلى أن هناك قدرات تشغيلية مبدئية محتملة تتراوح بين 0.5 مليون طن سنوياً (مراحل أولية)، ثمّ إلى عشرات ملايين أطنان سنوياً في أقصى طاقته، والهدف هو الوصول حتى 40 مليون طن/سنة كطاقة قصوى مرحلية على المدى الطويل بعد الانتهاء من إنجاز كل المرافق المصاحبة للمشروع.
واسترسل: “هذه الفوارق تعكس الاختلاف بين مرحلة الإنتاج التجريبي والطاقة المعيارية الكاملة، ضمن قيمة اقتصادية ممكنة وعائدات محتملة عند الطاقات الكلية، التي تشير إلى أن المنجم قد يولّد مليارات الدولارات سنويًا، وقد يتجاوز الرقم 10 مليار دولار بالعام الواحد بحسب تقارير، في سيناريو التشغيل الكامل والتصدير المكثف. هذه أرقام ومؤشرات وليست عقد ضمان، إذ تعتمد القيمة المالية المتوقعة بشكل مباشر على سعر خام الحديد في السوق الدولي؛ لأنه قد يرتفع في ظلّ الطلب المتزايد على المادة، ناهيك عن جودة الخام (تأثير الفسفور)، وتكلفة المعالجة والنقل وغيرها من الملحقات المرتبطة بالاستخراج والتحويل”.
قيمة مضافة بدلاً عن تصدير خام رخيص
أوضح البروفيسور نبيل جمعة، أن منجم غارا جبيلات يرتبط بقاعدة بنيوية كبرى، بدءًا بوصله بشبكة سكك حديدية حديثة، وموانئ للتصدير، والطرقات، ومحطات للطاقة والمياه والمعالجة، ومشاريع أخرى متسلسلة كلّفت مبالغ ضخمة لنجاح المشروع المعدني في شكله الكلّي.
وفي ما يخصّ الأثر الاقتصادي والقطاعات المستفيدة، اعتبر جمعة، استبدال واردات خام الحديد ببناء صناعة تحويلية محلية، أهم خطوة يتيحها هذا المنجم الضخم، في ظل احتوائه على خامات بكميات كبيرة، بالتوازي مع بناء مصانع التلبيد، ثم صناعة الصلب محليًا، وهذا ما يرفع من القيمة المضافة وطنيًا بدلاً عن تصدير خام رخيص إلى الأسواق الخارجية.
علاوة على ذلك، سيُسهم المنجم في خلق وظائف مباشرة وغير مباشرة بالآلاف (تشغيل ومصانع معالجة)، وعشرات الآلاف في الخدمات اللوجستية والبناء والتوريد والنقل؛ لكن الأرقام الدقيقة تعتمد على تكنولوجيات التشغيل (أوتوماتيكية أم كثيفة اليد العاملة)، وسياسات التوظيف المحلي التي ستتمظهر لاحقًا، بحسب قوله.
أما الإيرادات الحكومية والصادرات، كما لفت جمعة، ستكون من خلال الضرائب وحقوق التعدين وعوائد صفقات الشّرَاكة، مع إمكانات زيادة الدخل بالعملة الصعبة واحتياطات النقد الأجنبي إذا صُدِّر المنتج أو المركّز بنسب مرتفعة بعد الاكتفاء محليًا من المعدن.
وتابع: “المشروع المنجمي رافقه إنشاء خط سكة حديدية بطول يقارب 950 إلى 1.000 كلم، انتهى انجازه في ظرف قياسي، وساهم في ربط غارا جبيلات بولاية تندوف، ثم نحو ولايات بشار والنعامة وسعيدة ومعسكر وصولاً إلى وهران حيث توجد الموانئ. هذا الخط يُمثِّل العمود الفقري لنقل خام الحديد من الجنوب الغربي نحو الساحل للتصدير أو التحويل الصناعي بالمعامل المنجزة. الأهداف الحقيقية للمشروع تتعلق بنقل من 40 إلى 50 مليون طن /سنويًا من خام الحديد بغارا جبيلات نحو المصانع والموانئ. وقد جرى خفض تكلفة النقل من 30–40 $ للطن عبر أسطول الشاحنات، إلى 10 أو15 $ للطن بالسكة الحديدية. فضلاً عن ذلك، يُشكِّل إنجاز أول ممر سككي صناعي ـ منجمي ـ لوجستي في جنوب الجزائر الغربي، لربطه بالشمال اقتصاديًا وصناعيًا، دعامة قوية من شأنها تحويل المنطقة إلى قطب تنموي واستخراجي لمناجم الحديد والمعادن الإستراتيجية الأخرى”.
مشروع سيادي لإعادة رسم الجغرافيا
وصف البروفيسور جمعة، مشروع السكة الحديدية تندوف ـ بشار ـ وهران، بالخط غير العادي؛ لكونه مشروعًا سياديًا ضخمًا سيعيد رسم الجغرافيا الاقتصادية للجزائر، معتبرًا نجاح نشاط المنجم مرتبطا بقدرة الحكومة على التحكّم في التكلفة وضمان تحويل خام الحديد محليًا، ومواصلة بناء منظومة لوجستية وصناعية حول الخط، وإدارة المشروع بصرامة تامة بعيدًا عن البيروقراطية.
وكشف الخبير، أنه يمكن التّوسّع في أي نقطة تقنية أو اقتصادية ترغب فيها الحكومة في ضوء تشييد هذا الخط السككي الشرياني، داعيًا إلى دراسة الجدوى المالية بدقة، ومقارنة مشروع منجم غارا جبيلات مع مشاريع مشابهة عالميًا لتحليل تحديات ومخاطر التنفيذ بكل عقلانية.
وفي الشق الجيو ـ استراتيجي بعيد المدى، سيسمح خط السكة الحديدية الضخم “تندوف – بشار ـ وهران”، بربط الجزائر بالمحيط الأطلسي مستقبلاً عبر دولة موريتانيا الشقيقة، ودعم مشروع الممر الإفريقي شمال ـ جنوب ساري الإنجاز، وتحويل وهران وبشار بالتحديد إلى مراكز لوجستية إقليمية، فضلاً عن تقوية حضور بلد الشهداء في سوق الحديد العالمية أمام دول مثل البرازيل، يذكر نبيل جمعة.
دور اجتماعي وتنموي محلي بالغ الأثر
ومن جانبه، اعتبر الأمين العام للرابطة الجزائرية للمواطنة والشباب، الدكتور فريد شادلي، منجم غارا جبيلات أحد أهم المشاريع الاقتصادية الإستراتيجية في الجزائر الجديدة، المترتب عنه دور اجتماعي وتنموي بالغ الأثر، خاصة بولايات الجنوب الغربي التي عانت لعقود من التهميش وضعف الاستثمارات.
وأبرز الدكتور فريد شادلي، في تصريح أدلى به لـ«الشعب”، أن استغلال هذا المنجم الضخم يُشكِّل نقطة تحوّل حقيقية في مسار التنمية الشاملة والمتوازنة، ويعكس إرادة الدولة في تحقيق العدالة الإجتماعية وتحسين نوعية الحياة للمواطنين.
وأفاد شادلي، أن منجم غارا جبيلات سيساهم بشكل مباشر في توفير آلاف مناصب الشغل، سواء خلال مراحل الإنجاز أو الاستغلال، وهو ما يفتح آفاقًا واسعة أمام شباب المنطقة للاندماج في سوق العمل والحد من البطالة، التي تُعد من أصعب التحديات. كما أن إعطاء الأولوية لليد العاملة المحلية يعزز الاستقرار الاجتماعي، ويُقلِّص من الهجرة الداخلية نحو الولايات الأخرى، مع ترسيخ الإحساس بالانتماء والمشاركة في بناء الوطن الكبير.
إضافة إلى ذلك، يخلق المشروع فرص عمل غير مباشرة عبر تحفيز قطاعات مرافِقة مثل النقل، والخدمات، والأشغال العمومية، والصناعات التحويلية، ومنه تنشيط النسيج الاقتصادي المحلي وخلق حركية تنموية مستدامة، ستجعل من المنطقة قطبًا واعدًا وقادرًا على استقطاب الاستثمارات الوطنية والأجنبية، بحسب المصدر ذاته.
واسترسل: “من زاوية التنمية المحلية، سيُسهم منجم غارا جبيلات في تحسين البنية التحتية، من خلال إنجاز الطرق، توسيع شبكة السكك الحديدية، مدّ شبكات الطاقة والمياه، وهي مكاسب لا تخدم المشروع فحسب، بل تنعكس إيجابًا على الحياة اليومية للمواطنين. كما يُنتظر أن يلعب هذا المنجم الضخم دورًا في تطوير الخدمات الاجتماعية مثل الصحة والتعليم والتكوين المهني والرياضة والشباب، من خلال برامج مرافِقة تستجيب لحاجيات الساكنة”.
وعلى هذا الأساس، فإن منجم غارا جبيلات لا يتوقف في كونه مشروعًا حيويًا لاستخراج الحديد، وإنّما يُعدّ رافعة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية لولايات الجنوب الغربي، وأداة فعّالة لتحقيق الرّفاه المجتمعي، وتقليص الفوارق الجهوية، وبناء نموذج تنموي يضع المواطن في صلب الاهتمامات، انسجامًا مع رؤية الجمهورية للتنمية المستدامة وحماية السيادة الاقتصادية، يختم الأمين العام للرابطة الجزائرية للمواطنة والشباب، الدكتور فريد شادلي.



