”تصنيـع وتصدير” بدل “استخراج وبيع”… معادلـة نمو كاملة
أوضح الخبير في الاقتصاديات الحكومية، البروفيسور فارس هباش، في اتصال لـ«الشعب” أن “غارا جبيلات”، لم يعد ينظر إليه اليوم كمجرد منجم حديد في أقصى الجنوب الغربي، بل كأحد أهم مشاريع التحوّل الاقتصادي في الجزائر، لأنه يجمع بين ثروة طبيعية ضخمة واستثمار هيكلي في البنية التحتية والصناعة والتصدير.
استهل هباش، تحليله، منطلقا من الرقم الذي يمنح للمشروع وزنه الاقتصادي الكبير، حيث يقدّر احتياطي غارا جبيلات بحوالي 3.5 مليار طن من خام الحديد، ما يجعله من أكبر الاحتياطات في المنطقة. هذا الحجم لا يعني فقط وفرة المورد، يقول هباش، بل يعني استدامة طويلة الأمد، وهو عامل جوهري في جذب الاستثمارات، وتخطيط الصناعات الثقيلة، وبناء شراكات صناعية على أساس مورد مضمون لعقود. كما أن وجود هذا الاحتياطي الضخم يمنح الجزائر رصيدا استراتيجيا يمكن تحويله إلى قدرة إنتاجية وصناعية وصادرات متزايدة بمرور الوقت.
وفي صلب الأثر الداخلي للمشروع، تابع المتحدّث، “تأتي فكرة بناء سلسلة قيمة وطنية للحديد والصلب، خاصة عندما يصبح خام الحديد المحلي مدخلا منتظما للصناعة، ترتفع القيمة المضافة محليا، وتتوسّع شبكة المؤسسات التي تعمل حول القطاع من المقاولات إلى الخدمات اللوجستية، ومن شركات الصيانة الصناعية إلى التكوين المهني، ومن الصناعات الميكانيكية والكهربائية إلى الخدمات الرقمية والتحكّم الصناعي”. الأهم، وفق الخبير، أن المشروع لا يخلق عائدات مباشرة فقط، بل يخلق ما يسمى في لغة الاقتصاد “الأثر المضاعف”، حيث إن كل دينار يُصرف في البنية التحتية والتشغيل والصيانة والخدمات، يخلق بالمقابل طلبا جديدا على قطاعات أخرى، وينعش الدورة الاقتصادية في مناطق كانت لعقود خارج مركز النشاط الصناعي.
تصنيع.. اكتفـاء، فتصديـر
ويرى البروفيسور هباش، أن هذا التحوّل سيصبح أكثر قوة عند ارتباطه بالقاعدة الصناعية التي تتوسّع بالفعل في الجزائر، مثل توسعات الحديد والصلب في الغرب، خصوصا مع دخول توسعة المسطّحات الحديدية بطاقة 2.5 مليون طن سنويا، ما يعني ارتفاعا في القدرة الإنتاجية للمواد ذات القيمة المضافة العالية مثل الصفائح واللفائف، وهي منتجات تدخل في البناء والصناعة والأجهزة والورشات الكبرى. وفي نفس الاتجاه، أكد هباش أن إعلان توسيالي استهداف مليار دولار صادرات في 2025 يعكس تحركا واضحا نحو جعل الصلب الجزائري قطاعا تصديريا مؤثرا ضمن الصادرات خارج المحروقات. وهي مؤشرات مهمة ـ حسبه ـ كونها تضع غارا جبيلات ضمن منظومة “تصنيع ثم تصدير”، بدل الاكتفاء بمنطق “استخراج ثم بيع”.
وأضاف هباش، أن العائد الداخلي لا يقتصر على الصناعة الثقيلة، مفسرا ذلك بكون المشروع يحرّك قطاعات واسعة على مستوى البنية التحتية، كمشروع السكة الحديدية المنجمية غربا بطول قدره 900 كلم، الذي لا يضمن نقل المواد فقط، بل يخلق شبكة اقتصادية متكاملة من أشغال عمومية كبرى، منشآت فنية، محطات شحن وتفريغ، ورشات صيانة، ثم خدمات نقل وتخزين وتأمين ومناولة، مؤكدا أن مثل هذه المشاريع غالبا ما ترفع الطلب على المقاولات الوطنية، وتفتح فرصا كبيرة لمكاتب الدراسات والهندسة، وتعزّز قطاع الأشغال العمومية كقاطرة تشغيل واستثمار لسنوات.
الجنوب الجزائري.. موعد مع التنمية
وعلى المستوى المحلي، أكد هباش، أن غارا جبيلات يمثل فرصة لتنمية ولايات الجنوب الغربي عبر خلق نشاط اقتصادي متواصل، وزيادة الطلب على الخدمات الأساسية والاقتصاد الحضري: السكن، التموين، النقل المحلي، الخدمات الصحية، التكوين، والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تتشكّل عادة حول المشاريع الكبرى. بمعنى آخر، المشروع لا يضيف فقط أرقاما في الإنتاج الصناعي، بل يضيف ديناميكية تنموية داخلية تعيد التوازن الجهوي، وتقلل التمركز التقليدي للنشاط الاقتصادي في الشمال.
أما على الصعيد الخارجي، أشار المتحدث أن القيمة الكبرى للمشروع تكمن في تعزيز موقع الجزائر داخل سلاسل التوريد الإقليمية، مضيفا، أن العالم خاصة في حوض المتوسّط وإفريقيا، يعيش منافسة على المواد الأولية الصناعية المستقرة، وعلى سلاسل إمداد قريبة وموثوقة. ومع توسّع الصناعة المحلية وظهور صادرات فعلية لمنتجات فولاذية مثل الصفائح، ومنها شحنة 25 ألف طن التي وصفت بأنها الأولى من نوعها، ستصبح الجزائر قادرة على تقديم نفسها كمورد صناعي لا يقتصر على الطاقة، بل يمتد إلى المنتجات المعدنية والتحويلية. هذا التحوّل ينعكس مباشرة على الميزان التجاري عبر رفع صادرات خارج المحروقات، ويمنح الدبلوماسية الاقتصادية الجزائرية ورقة إضافية في بناء الشراكات مع دول الجوار والأسواق الكبرى.
بنية منجمية متكاملـة
وخلص هباش إلى القول، إن غارا جبيلات ليس مشروعا معزولا، بل يأتي ضمن موجة مشاريع منجمية صناعية موازية تعزّز نفس الهدف الوطني. المشروع المدمج للفوسفات بشرق البلاد مثال واضح على منطق التكامل، فالحديث عن خط سكة حديدية ضمن المشروع بطول 422 كلم لربط بلاد الحدبة بميناء عنابة، مع قدرة نقل تفوق 10 ملايين طن سنويا عند الاستلام، وتقديرات لعائدات تصل إلى حوالي 2 مليار دولار سنويا. هذه الأرقام، استطرد هباش، تؤكد أن الجزائر تبني بنية تحتية منجمية تخدم التحويل والتصدير معا، وتفتح الباب أمام تكامل اقتصادي بين الشرق والغرب، الحديد غربا، الفوسفات شرقا، مع نفس الرؤية القائمة على الصناعة واللوجستيك والتصدير.
في المحصلة، ختم هباش أنه يمكن تلخيص العائد المتوقّع لمشروع غارا جبيلات ومنظومته القريبة في ثلاث مكاسب رئيسية كلها إيجابية ومترابطة، حيث يتمثل المكسب الأول في تعزيز التصنيع الوطني عبر دعم سلسلة الحديد والصلب وتوسيع القاعدة الصناعية وخلق وظائف ومؤسسات وخدمات مرافقة. في حين يتمثل المكسب الثاني في بناء بنية تحتية إستراتيجية تحول المشاريع المنجمية إلى محركات تنمية مستمرة وتفتح أفقا اقتصاديا جديدا للجنوب الغربي. أما المكسب الثالث فيتلخّص في تعزيز موقع الجزائر خارجيا عبر رفع الصادرات خارج المحروقات، وتحويلها تدريجيا إلى فاعل صناعي إقليمي في مجال المنتجات المعدنية.






