تُعدّ البيئة في العصر الحديث من القضايا الجوهرية التي لم تعد ترفًا فكريًا أو مطلبًا ثانويًا، فقد أصبحت حقًا من حقوق الإنسان الأساسية، وشرطًا لازمًا لتحقيق التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية، فالإنسان لا يمكنه التمتع بحقوقه الأخرى في غياب بيئة سليمة تضمن له الصحة، والأمن الغذائي، والاستقرار النفسي والاجتماعي؛ ولهذا، احتلت المسألة البيئية مكانة متقدمة ضمن اهتمامات الدول والمنظمات الدولية، خاصة في ظل التغيرات المناخية المتسارعة، وتدهور الموارد الطبيعية، وتزايد المخاطر الصحية المرتبطة بالتلوث.
وفي هذا الإطار، تُعدّ الجزائر من الدول التي أدركت مبكرًا خطورة الإشكالات البيئية، فعملت على إدماج البعد البيئي في سياساتها العمومية، وسنّت تشريعات تهدف إلى حماية البيئة وتحقيق التنمية المستدامة، غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود النصوص والبرامج، بل في مدى تفاعل المجتمع معها.
وتُجسّد ولاية تندوف، بما لها من خصوصية جغرافية ومناخية واجتماعية، نموذجًا واقعيًا لهذا التحدي، حيث تتقاطع فيها جهود الدولة المكثفة مع ضعف الثقافة البيئية المجتمعية.
جهود الدولة في حماية البيئة
لا يمكن إنكار أن الدولة الجزائرية بذلت مجهودات معتبرة في مجال حماية البيئة بولاية تندوف، سواء على المستوى التشريعي أو الميداني، فقد عملت السلطات العمومية، عبر الجماعات المحلية والمصالح المختصة، على تعزيز خدمات النظافة العمومية، من خلال توفير حاويات جمع النفايات، واقتناء شاحنات وآليات مخصصة لرفع القمامة، خاصة في الأحياء السكنية والتجمعات الحضرية التي تشهد كثافة سكانية، كما تم تنظيم حملات تنظيف دورية، شاركت فيها البلديات والمصالح التقنية، وأحيانًا بعض الجمعيات المحلية، في إطار محاولات الحد من تراكم النفايات والقضاء على النقاط السوداء التي تشوّه المنظر العام وتؤثر سلبًا على صحة المواطن، إلى جانب ذلك، سعت الدولة إلى تحسين التهيئة الحضرية، من خلال تنظيم الفضاءات العامة، وتهيئة الطرق، والساحات، والحدائق، باعتبارها عناصر أساسية في خلق بيئة حضرية سليمة.
وعلى الصعيد القانوني، سنّت الدولة ترسانة قانونية متكاملة تهدف إلى حماية البيئة ومكافحة مختلف أشكال التلوث، حيث تم تجريم الاعتداء على المحيط البيئي، وفرض عقوبات على المخالفين، في محاولة لترسيخ مبدأ الردع، كما أُطلقت برامج تحسيسية داخل المؤسسات التربوية، تهدف إلى غرس القيم البيئية لدى الناشئة، إلى جانب دعم بعض المبادرات الجمعوية ذات الطابع البيئي، غير أن هذه الجهود، ورغم أهميتها، لا تزال تصطدم بواقع ميداني يُظهر محدودية النتائج المحققة، ما يطرح تساؤلات حول دور المواطن ومدى وعيه بمسؤوليته تجاه محيطه.
غياب الثقافة البيئية المجتمعية وأثره على الواقع
رغم الجهود المبذولة، لا تزال ولاية تندوف تعاني من مظاهر بيئية سلبية، من أبرزها الرمي العشوائي للنفايات في الشوارع والأحياء، وعدم احترام الفضاءات العامة، وغياب ثقافة الفرز وإعادة التدوير، إضافة إلى التعامل اللامسؤول مع الموارد الطبيعية. وهي ممارسات تعكس ضعف الوعي البيئي لدى شريحة واسعة من المجتمع.
ويُلاحظ أن جزءًا كبيرًا من المواطنين يربط حماية البيئة بدور الدولة فقط، متجاهلًا أن السلوك الفردي اليومي يُعدّ حجر الأساس في أي سياسة بيئية ناجحة، فالبيئة ليست شأنًا إداريًا، إنما هي ثقافة وسلوك حضاري يتجلى في أبسط الممارسات، مثل عدم رمي النفايات، والحفاظ على نظافة الحي، واحترام الأماكن العامة.
إن غياب الثقافة البيئية المجتمعية يُفرغ الجهود الرسمية من محتواها، ويجعلها مؤقتة الأثر، إذ سرعان ما تعود المظاهر السلبية بعد كل حملة تنظيف. وهو ما يؤكد أن المشكلة ليست في نقص الإمكانيات فقط، بل في غياب الوعي والشعور بالمسؤولية الجماعية.
البيئة كمسؤولية قانونية وأخلاقية مشتركة
من المنظور القانوني، تُعدّ حماية البيئة واجبًا مشتركًا بين الدولة والمواطن، وهو ما أكدته النصوص الدستورية والقوانين البيئية الجزائرية التي أقرت حق المواطن في بيئة سليمة، وفي المقابل ألزمت الجميع بالمحافظة عليها. فالمواطن ليس مجرد مستفيد من السياسات البيئية، بل هو فاعل أساسي في إنجاحها أو إفشالها.
إلى جانب البعد القانوني، تكتسي حماية البيئة بعدًا أخلاقيًا ودينيًا، حيث تحث القيم الإسلامية على النظافة، وعدم الإضرار بالغير، والمحافظة على الموارد، باعتبارها أمانة يجب صونها. ومن هذا المنطلق، فإن الاعتداء على البيئة لا يُعدّ فقط مخالفة قانونية، بل سلوكًا يتنافى مع القيم الأخلاقية والدينية للمجتمع.
آفاق وحلول لتحسين الوضع البيئي
من أجل تحقيق تحسن فعلي ومستدام في الوضع البيئي، لا بد من تبني مقاربة شاملة تقوم على إشراك جميع الفاعلين، ويأتي في مقدمة ذلك تعزيز التربية البيئية داخل المدارس والجامعات بشكل دائم ومنهجي، حتى تصبح جزءًا من الثقافة العامة للطالب، لا مجرد نشاط ظرفي.
كما يُعدّ دعم الجمعيات البيئية ماديًا ومعنويًا ضرورة ملحة، ومنحها مساحة أكبر للعمل الميداني، باعتبارها الأقرب إلى المواطن والأقدر على التأثير في سلوكه، إضافة إلى ذلك، ينبغي تكثيف الحملات التحسيسية الموجهة للمواطن، باستخدام لغة بسيطة ووسائل تواصل حديثة، تلامس واقعه اليومي.
ولا يقلّ تفعيل الردع القانوني أهمية عن التحسيس، إذ إن التساهل مع المخالفات البيئية يكرّس ثقافة اللامبالاة، كما يُنتظر من الإعلام المحلي أن يلعب دورًا محوريًا في نشر الثقافة البيئية، ومتابعة القضايا البيئية بجدية واستمرارية. ويُستحسن أيضًا تشجيع المبادرات الشبابية والابتكارات المرتبطة بإعادة التدوير والاقتصاد الأخضر، وتحويل حملات النظافة من مناسبات موسمية إلى ممارسة يومية راسخة.
ختاما..
إن حماية البيئة في ولاية تندوف ليست مسؤولية جهة واحدة، بل هي مشروع مجتمعي متكامل، يتطلب تضافر جهود الدولة والمواطن والمجتمع المدني. فالدولة، رغم ما بذلته من مجهودات معتبرة، لا يمكنها وحدها تحقيق بيئة سليمة في ظل غياب الوعي المجتمعي.
ويبقى الرهان الحقيقي على بناء ثقافة بيئية راسخة، تجعل من احترام البيئة سلوكًا يوميًا يعكس وعي المواطن، لأن حماية البيئة ليست خيارًا، بل ضرورة لضمان حاضر آمن ومستقبل أفضل للأجيال القادمة.
طالبة بكلية الحقوق والعلوم السياسية -ناشطة جمعوية






