تجاوز العقبة اللّوجستية التي كانت وقد عطلت المشاريع الكبرى لسنوات طويلة
المسار الذي بدأ من غارا جبيلات ليس محطة نهائية بل قاعدة انطلاق لدورة استثمارية أوسع
في خضم تحوّلات إقتصادية مهمّة تعيشها الجزائر هذه الأيام، يبرز مشروع استغلال منجم غارا جبيلات والخط السّككي المرتبط به، كأحد أبرز العناوين في مرحلة “جزائر التحديات”، ويرى العديد من الباحثين والمتابعين للشأن الاقتصادي، أنّ هذا المشروع يتعدى كونه مجرّد عملية استخراج للثروات الخام، إلى اعتباره “الإجابة العملية” من الدولة الجزائرية على تحديات داخلية وخارجية، ورداً حاسماً على تساؤل استراتيجي طُرح منذ عقود، حول جدوى الاكتفاء بامتلاك الثروات الباطنية دون استغلالها بشكل فعلي.
على مرّ العقود الماضية، كان من المعروف أنّ الجزائر تملك احتياطات ضخمة من الحديد، الفوسفات، والزنك، إلا أنّ القرار اليوم تجاوز مرحلة الإحصاء إلى مرحلة التثمين الفعلي، ويؤكّد العديد من الخبراء الجزائريّين أنّ الدولة اليوم، قد كسبت الرهان الأكبر في هذا الملف، والمتمثل في تجاوز العقبة اللوجستية التي كانت تعطّل هذه المشاريع لسنوات طويلة.
لقد شكّل العائق اللّوجستي، منذ اكتشاف منجم غارا جبيلات، التحدي الأبرز الذي حال دون استغلاله في الماضي. وفي هذا السياق، أوضحت العديد من القراءات التقنية أنّ إنجاز خط السّكة الحديدية، الذي يمتد على مسافة 950 كيلومتر، هو الخطوة المهمة التي غيّرت المعادلة بشكل كامل، حيث أنّ هذا الخط العملاق الذي يربط شمال البلاد بجنوبها، يعني عملياً أنّ المهمة اللّوجستية قد تمّت على أكمل وجه، ممّا يمهّد الطريق لنقل الثروات وتصنيعها، منهياً بذلك عقوداً من التردّد المرتبط بصعوبة التضاريس وبعد المسافة.
وبالإضافة إلى البعد الصّناعي، يكتسي هذا الخط أهمية جغرافية واستراتيجية بالغة. فعند النظر إلى الخارطة وامتدادات غارا جبيلات نحو الحدود مع موريتانيا، يتّضح أنّ المشروع يتجاوز كونه منشأة تعدينية فقط، حيث يشير العديد من المحلّلين إلى أنّ هذا الخط سيخلق ديناميكية تجارية بينية مع القارة الإفريقية، متيحاً تدفّقاً غير مسبوق للسّلع والبضائع، وتسهيلاً لتنقل الأشخاص، ممّا يجعله شرياناً حيوياً يربط الجزائر بعمقها القاري والإفريقي، خاصة دول غرب إفريقيا.
كما أنّ المعطيات المرتبطة بمرحلة الإنجاز والبناء تكتسب أهمية خاصة على المدى المتوسّط، إذ جرى تشغيل أكثر من 9700 عامل جزائري في إنجاز الخط. ويحمل هذا الرّقم دلالات اقتصادية وتقنية واضحة، حيث تمكّنت الجزائر، في وقت وجيز، من ترجمة الجهد الميداني إلى أحد أطول خطوط السّكك الحديدية في إفريقيا، بما رافق ذلك من تراكم خبرة في مجال يعد من أكثر القطاعات تعقيدا وندرة في القارة. وبالتالي، أصبحت الجزائر تمتلك قاعدة تقنية صلبة تسمح بمواصلة توسيع شبكة السّكك الحديدية في عمق الصّحراء، وتعزيز الربط الإقليمي بما يخدم حركة الأشخاص والبضائع بين الدول الإفريقية. وفي نفس السّياق، تندرج هذه الخبرة ضمن مفهوم السّيادة التقنية، خاصة مع بروز مؤسّسات وطنية باتت تملك القدرة على الإشراف على المشاريع المستقبلية وإنجازها.
كما أنّ انطلاق استغلال منجم غارا جبيلات من شأنه، على المدى المتوسّط، أن يضمن موارد الحديد اللازمة للخطوط اللاحقة، بما يعكس ترابطا بين التنمية المنجمية والبنية التحتية الصناعية، حيث يتم الاستغلال والتحويل والإنتاج ضمن حلقة متكاملة تُقلّص الآجال وتخفّض كلفة المشاريع القادمة. وبذلك، لا يبدو المسار الذي بدأ من غارا جبيلات محطة نهائية، بل قاعدة انطلاق لدورة استثمارية أوسع.
هذه البداية فقط
علاوة على ذلك، تشير قراءات ودراسات تقريبية مرتبطة بخارطة التعدين في الجزائر، إلى أنّ ما تم اكتشافه إلى اليوم لا يتجاوز نحو 25٪ من القدرات المعدنية المتاحة، مع ملاحظة أنّ جزءًا معتبرًا من الاكتشافات كان ذا طابع سطحي. وهو ما يجعل فرضية تحقيق اكتشافات أكبر في المستقبل قائمة بقوة، خاصة في المكامن العميقة التي لم تُستغل بعد بالشّكل الكافي. وبناءً على ذلك، يُنظر إلى بداية استغلال غارا جبيلات كخطوة تأسيسية ضمن مسار أوسع، لا كغاية نهائية، لأنّ نجاح هذا المشروع يمكن أن يفتح عمليًا الباب لانطلاقة حقيقية، تُعزّز موقع الجزائر كقوة معدنية إقليمية في حوض المتوسّط.
وفي نفس السّياق، يرى العديد من المختصّين أنّ اتساع المجال الترابي الجزائري يمنح إمكانات استكشاف معتبرة، إذ تُطرح تقديرات تفيد بأنّ ما يقارب 80٪ من مساحة البلاد مرشّح لاحتضان ثروات أخرى، من الحديد والنحاس والفضة والزنك والذهب، إلى جانب الأتربة النادرة. كما أنّ كل سكة منجمية تُنجز في أي نقطة من التراب الوطني، تُعد إضافة مباشرة للبنى التحتية التي تسرّع عملية الاستكشاف ثم الاستغلال، عبر تقليص كلفة النقل والرّبط اللوجستي، وتراكم الخبرة الوطنية في مجال يعد من القطاعات الاستراتيجية الصاعدة. ومن هذا المنظور، تُقدَّم هذه المرحلة كبداية لمسار متدرّج، لا كنهاية، مهما حاولت بعض الجهات التقليل من أهميتها، بعد دخول استغلال الثروات المنجمية الجزائرية حيّز التنفيذ.



