في ظل الهيمنة الطويلة النسق الغربي، على مسارات الفكر و الإبداع، يجد الكاتب نفسه أمام نموذج يكاد يملي طرائق التمثيل، والتعبير، ويحدّد معايير القول الفلسفي والكتابة الأدبية، غير أن التحولات التي شهدتها المجتمعات ثقافيا وسياسيا بفعل النظام العالمي الجديد الأحادي القطبية، باتت تحكم مسار العلاقات الدولية، وأنتجت اختلالا في توازن القوى العالمية، فمن البعد الديني والتاريخي والطائفي، كل أمة تسعى إلى إعادة مجدها.
هذه التحولات فسحت مجال السعي إلى تفكيك المركزية الغربية وإعادة بناء خطاب ينهض من عمق التجربة وخصوصيات سياقها المحلي، ومن هذه المستجدات برزت الحاجة إلى استكشاف الكيفية التي يخرج بها الكاتب عن النسق الغربي، لا كمتمرد عابر بل كفاعل واعي يؤسس لكتابية تتجاوز القوالب الجاهزة، وتبتكر رؤى نقدية تستعيد للذات والمجتمع موقعه ويده في صناعة المعنى ولسان القول.
إن هذا المسعى لا يقتصر على رفض الأنساق الغربية كمرجعية، بل يتجذر في الرغبة إلى حلحلة المألوف وفتح آفاق جديدة يتقاطع فيها الإبداع مع الهوية والتاريخ واللغة، حيث يمضي الكاتب قدما نحو إبداع مستقل النسق والمنهج، بمفهوم كتابة أدبية وفلسفية محررة للعقل من المركزية الغربية، يمكن القول – بما لا يدع مجالا للشك والريبة – أنه على الكتاب المعاصرين أن يتحرروا من سطوة النسق الغربي، ويتركوا ظاهرة استسهال الكتابة الروائية حتى يتمكنوا من الأدوات الفنية والبلاغة والصناعة اللفظية منزوعة التكلفة، فتبدو الكتابة الأدبية فنا متميزا يطبع بطابع عمق الفكرة، وواقعيتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والدينية، فالأدب – في رأينا – مرآة عاكسة، بل إنه صانع الأيديولوجية لأي مجتمع بدقة النظر والمنطق، يرنو إلى الازدواج ثم يصور الفكرة في مشاهد حية يتلقفها المتلقي سماعا وقراءة.
ويتوقف هذا الطرح على مدى واقعية الفكرة، بحيث يجعل الكاتب يولد المعاني منها حتى لا يدع لقائل قولا، ويولع بوضع الأحاديث منها والروايات الشفوية التي تركتها المأثورات الشعبية، حكايات السمر وجلسات الشاي يلبسها ثوبها التاريخي الذي يكرس مقومات الهوية، ويعزز مبادئ اللحمة والعيش المشترك، فلا يكتفي بإيراد وسرد الوقائع على ما عرفه وما تناقلته الكتب في صفحاتها من انساق، بل يرسل عليها صيّبا من فيض البلاغة، ويمزج الأدب والحكمة والتدبر والتصوف بما يسهم في حل الإشكاليات الفلسفية، وميلاد مذهب خاص به بعيدا عن التقليد الأعمى.
ان هذا الطرح يعزز استقلالية فعل الكتابة، ولا ينسبه إلى مذهب أو نسق عربي، بمعنى منزوع من المفاهيم والأنساق الغربية، وتصبح الكتابة في أفعالها الثلاث: تدبر، قرأ، أبدع، تؤسس لانساق تعبيرية إبداعية تمكن المتلقي الحاذق من طرح استشكال فلسفي تدبري، يمكن رصد نمطه بالتعمق في مدلولاتها الفعلية، مثل المقابسة الذاتية من الموروث الثقافي الشعبي بدل نقده نقدا تشكيكيا يفضي إلى التآكل زمنيا، وتمكين ثقافة دخيلة ووهن يصيب الثقافة الأصلية لتنتهي إلى الأفول.
وقد يقول قائل هذه دعوة إلى الانغلاق، فالخروج من النسق الغربي لا يعني الانغلاق، بل إيجاد لغة سردية أو نقدية متجذرة في المحلي والراهن، بعيدا عن المثالية النرجسية، لكنها قادرة على مخاطبة الإنسان عموما، إذ علينا الوعي (كل الوعي) بأن الكتاب ليس مركزا للعالم، وعلينا تجنب ردة الفعل العاطفي أو الرفض الأعمى بمعنى الوسطية والاعتدال، فالهدف من هذه النظرية هو التحرر وليس العداء بمفهوم الوسطية، وتمكين التجربة الأدبية المحلية من احتلال مركزية النص، إذ يكتب الكاتب من عمق مجتمعه وتجربته بخصوصيات الحياة اليومية وتعقيداتها، فإنه يتحرر من القالب الغربي ويمكن للثقافة، فليس كل مفهوم أو مبدأ مستورد يصلح لكل واقع أو مجتمع، فالمطلوب هو إعادة تكييفه أو استبداله بمفهوم أو نسق أكثر مواءمة.
بهذا الطرح، تتولد أشكال كتابية جديدة، فكثير من الأنساق الكتابية الأدبية ونظرياتها جاءت من الغرب، لكن يمكن للكاتب أن يبدع بنى سردية من الحكايات والمقامات والتاريخ الشفوي وإنتاج المعرفة من الداخل الشعبي والمجتمعي، فيعيد اكتشاف التراث المحلي وبعثه، ليس بالمفهوم التقليدي فحسب، بل بالذاكرة الشعبية والفنون الشعبية والحكم والأساطير المحلية واللغة اليومية التي تكون جزءا من بنية النص لا مجرد زينة.
بهذه النظرية، يكون كاتب اليوم قد تحرر من مركزية النسق الغربي والتقليد إلى الإبداع ويخلق مركزية النص النابع من الموروث الشعبي.
وترفع عن المقابسات الغربية للمفاهيم غير المبيأة، ليتمكن من مفاتيح الصياغة البديعة والقدرة الفذة على التناسق في المفاهيم والصيغ، وينظر بالعين والعقل معا في المستقبح والمستحسن منها، والتي وراءها يمكن للنسق الغربي أن يجعل مركزية الإبداع، قيودا وسروج التقليد التي وضعت على صهوات الأقلام لتزرع سلطة أبوية مبنية على ثالوث العيش: خبز، ماء وهواء، فيغدو المشهد الثقافي فجّا لا طعم له.
هذه الاستنتاجات التي قدمناها تتولد من فرضية التحرر من قيود السيطرة الاستعمارية الغربية واستعادة السيادة السياسية تفرض بإلحاح طرح اشكاليات التقليد والإبداع الأدبي، وحتمية الخروج من دائرة النسق الغربي.
ولا يتأتى هذا الطرح إلا بإعادة حوكمة وتبيئة المفاهيم المستوردة، وجعل الموروث الشعبي مصدر الإبداع في الكتابة الأدبية والفلسفية بإنتاج معرفة منبعها الداخل الشعبي والمجتمعي ومن ثم بعث وصياغة هذا الموروث والتنقيب عليه في سراديب ثقافة المجتمع الأصلية دون إفراط ولاتفريط، حتى تكون جزءا من بنية النص ومركزيته.. كيف لا والحياة حبلى بالمعضلات الاجتماعية التي تتلمس الحلول في الحوالك أحقابا دونما تشخيص الداء ووصف الدواء على صهوة القلم والكتابة التي تتولد من رحم المعاناة، لتبني مشاهد ثقافية تشكل فسيفساء متنوعة.
إن المشاهد الثقافية تبنى ولا تعلن.. هذه الحتمية الواقعية تطرح إشكالية المشهد الثقافي في الحال والمآل.. في لحظة يختلط فيها الفكر بالواقع فيصبح الانفلات من سلطة النسق الغربي الغربي حتمية لتحرير المعنى من سطوة القوالب الجاهزة وهيمنة التصورات الموروثة، ويبني مسارا يعيد إلى الذات قدرتها على إبراز رؤيتها لعالم مترفع عن تفاضلية بين مركز وهامش أو أصل و فرع.وإذ نؤكد أن تحرر الكاتب من الأنساق الغربية ليس حركة بسيطة، بل هو فعل حضاري وسؤال الوجود يؤسس على مساءلة الذات والتراث جذريا في قالب معرفي مبني على عقلانية تعيد بناء المشاهد الثقافية و تتجاوز حدود الأنماط التقليدية.







