منظـــومـة متكاملـة قوامهــا الاستثمـــار والبنـى التحتيــة المترابطـــة
بناء بنية تحتية متكاملة تجعل بلادنا بوابة لوجستية وتجارية حيوية تربط 3 قـارات
برزت الجزائر في السّنوات الأخيرة، كفاعل محوري يسعى إلى تعزيز التكامل الإقليمي وتحويل موقعها الجغرافي إلى ميزة إستراتيجية، فمن خلال تطوير ميناء جن جن، وشبكات السّكك الحديدية، والمطارات الحديثة، إلى جانب المناطق الحرّة للصناعة والتصدير، تعمل الجزائر على بناء بنية تحتية متكاملة تجعلها بوابة لوجستية وتجارية حيوية، تربط بين إفريقيا وأوروبا وآسيا.
رؤية، قال عنها الخبير الاقتصادي هواري تغرسي، إنها لا تقتصر على تحسين حركة البضائع والرّكاب، بل تمتد لتشمل تنمية الصناعات الوطنية، وجذب الاستثمارات، ورفع تنافسية الاقتصاد الجزائري، بما يؤهّل أكبر بلد إفريقي لتَبوّؤ موقع قيادي في دفع التكامل الاقتصادي الإفريقي وتعزيز دوره الإقليمي والدولي.
وأوضح الخبير الاقتصادي هواري تغرسي أنّ الجزائر، وفي تحوّل إستراتيجي لافت، تمضي بخطى واثقة نحو إعادة تموقعها الاقتصادي، متجاوزة الاعتماد التقليدي على الموارد الطبيعية، نحو بناء منظومة تنموية متكاملة قوامها الاستثمار المنتج والبنى التحتية المترابطة. وهي رؤية تراهن على الجغرافيا، وتفعّل العمق الإفريقي، وتضع أكبر بلد إفريقي في صلب الحركة الاقتصادية العابرة للحدود. وفي هذا السّياق، أشار الدكتور تغرسي إلى بروز ميناء جن جن كأحد الأعمدة الأساسية لهذه الرؤية، ليس كمرفق لوجستي فحسب، بل كدعامة محورية في مشروع وطني واسع يربط السواحل بالداخل، ويحوّل الجزائر إلى حلقة وصل حيوية بين أوروبا وإفريقيا، ومحرّك فاعل للتكامل الاقتصادي القاري.
بوابة لوجستية عابرة للقارّات
يرى تغرسي أنّ ميناء جن جن يمثل أحد أهم التحوّلات الهادئة في الإستراتيجية الاقتصادية الجزائرية، كونه لم يُصمَّم كمرفق محلي تقليدي، بل كمنصة لوجستية ذات بعد عابر للقارات، قادرة على إعادة إدراج الجزائر ضمن خرائط التجارة العالمية والإفريقية. وبحسب تغرسي، فإنّ تموقع الميناء شرق البلاد، على مساحة تقارب 210 هكتارات، وعلى مسافة تقل عن 50 ميلا بحريا من المسار الملاحي الرّئيسي الرابط بين قناة السويس وباب المندب والبحر الأبيض المتوسط، يمنحه أفضلية تنافسية نادرة. هذا القرب الجغرافي، يضيف الخبير، يجعل من الميناء نقطة التقاء طبيعية لحركة التجارة بين آسيا وأوروبا وإفريقيا، ويختصر الزمن والكلفة على شركات الشحن، في عالم أصبحت فيه السّرعة عاملا حاسما في سلاسل الإمداد.
ويؤكّد المتحدث أنّ قوة ميناء جن جن لا تكمن في موقعه فقط، بل في خصائصه التقنية المتقدمة، إذ يسمح عمق مياهه، البالغ 18.2 مترا، باستقبال السفن العملاقة من الجيل الجديد دون قيود. كما أنّ اقتراب استكمال محطة الحاويات الجديدة بطاقة سنوية تصل إلى مليوني حاوية نمطية (TEU)، يضعه، بحسب قوله، ضمن أوائل موانئ الترانزيت المؤهّلة في غرب المتوسّط، ويمنحه دورا محوريا في إعادة توزيع السلع نحو أوروبا والعمق الإفريقي.
التأثير الاقتصادي المتوقّع
يشير تغرسي إلى أنه ميناء جن جن سجّل، حتى قبل تشغيل محطة الحاويات الجديدة، أداء تجاريا يعكس تصاعد دوره اللّوجستي في المنظومة الاقتصادية الوطنية. ففي سنة 2023، عالج الميناء نحو 9 ملايين طنّ من مختلف البضائع، إلى جانب أكثر من 50 ألف حاوية، وهي مؤشّرات يرى فيها دليلا على الجاهزية التشغيلية للميناء، وقدرته على استقطاب حركة تجارية معتبرة. ويتوقّع الخبير، على المديين القريب والمتوسّط، أن تشهد هذه الأرقام ارتفاعا ملحوظا مع الدخول الكامل لمحطة الحاويات حيّز الاستغلال، بما يعزّز موقع جن جن كمحور عبور إقليمي في غرب المتوسّط.
وبحسب قراءة الخبير، فإنّ الانعكاسات الاقتصادية لتطور ميناء جن جن تتجاوز الأرقام المجرّدة، لتطال بنية التكاليف اللوجستية للاقتصاد الوطني. فمن شأن الميناء أن يساهم في خفض تكاليف النقل والتخزين لواردات وصادرات الجزائر بنسبة معتبرة، عبر تقليص آجال الشحن والحدّ من اللجوء إلى الموانئ الأجنبية. كما يُنتظر أن يُسهم في تسريع انسياب البضائع نحو الأسواق الإفريقية والأوروبية، بما يعزّز تنافسية المتعاملين الجزائريّين. والأهم، أنّ الميناء يفتح آفاقا جديدة لإدخال موارد مالية مستدامة من خدمات العبور والترانزيت، في تحول نوعي من اقتصاد يعتمد على السلع المحلية فقط إلى اقتصاد لوجستي مولّد للقيمة.
مطارات واستثمارات إستراتيجية
يرى الخبير الاقتصادي تغرسي، أنّ فعالية ميناء جن جن لا تُقاس بمعزل عن محيطه، بل بمدى اندماجه ضمن شبكة المشاريع الوطنية الكبرى التي تعمل الجزائر على تطويرها، وفي مقدّمتها المطارات والمناطق اللّوجستية المرتبطة بالمحاور الصناعية. ووفقا لتغرسي، فإنّ التوجّه نحو إنجاز محطات مطارية جديدة وتحديث البنى القائمة، يعكس رؤية إستراتيجية تهدف إلى تحويل الجزائر إلى فضاء عبور متعدّد الوسائط، يربط حركة البضائع والرّكاب بين إفريقيا وأوروبا وآسيا، ويستثمر في موقعها الجغرافي كميزة تنافسية مستدامة.
ويؤكّد تغرسي أنّ إنشاء مناطق لوجستية بمحاذاة المطارات والمحاور الصناعية ليس خيارا تقنيا ظرفيا، بل جزء من تصور تخطيطي طويل المدى، تدعمه التوجّهات الحكومية والتقارير الإستراتيجية ذات الصلة. هذا التكامل، بحسب الخبير، يسمح بتسريع سلاسل الإمداد ورفع كفاءة الربط بين النقل البحري والجوي والبري، بما يعزّز قدرة الجزائر على استقطاب تدفّقات تجارية عابرة للقارات.
المناطق الحرّة رافعة للاستثمار
في ما يخص المناطق الحرة، يوضّح الخبير هواري تغرسي أنها تمثل أحد المفاتيح الأساسية لإنجاح هذا التحوّل، لما توفّره من بيئة جاذبة للاستثمار. فهذه المناطق، كما يؤكّد، تُسهم في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتوسيع قاعدة الصادرات خارج المحروقات، إلى جانب خلق فرص عمل نوعية تستجيب لتطلّعات الشباب، خاصة في مجالات اللوجستيك، والتحويل الصناعي، والخدمات ذات القيمة المضافة. ويشير تغرسي إلى أنّ تلاقي الموانئ والمطارات والمناطق الحرة ضمن رؤية واحدة، يشكّل الأساس الصلب لبناء اقتصاد جزائري أكثر تنوعا وانفتاحا على العمق الإفريقي والعالمي.
كما يشير الخبير إلى أنّ مشروع السّكك الحديدية الصّحراوية، الرابط بين بشار وتندوف وصولا إلى غارا جبيلات، والذي يمتد لأكثر من 900 كيلومتر، يمثل أحد أكبر مشاريع النقل في إفريقيا. ويؤكّد تغرسي أنّ هذا الخط لا يربط فقط احتياطيات ضخمة من الحديد بمراكز التصنيع وموانئ الشّحن، بل يخفّض كلفة النقل الداخلي ويدعم التنمية الصناعية المتكاملة، محوّلا الجزائر من دولة مصدّرة للمواد الخام إلى لاعب لوجستي وصناعي إقليمي، ويربط بين الشمال والجنوب والغرب لتسهيل حركة البضائع داخليا وإقليميا.
دفع حركة التجارة
يضيف الخبير تغرسي، أنّ مشاريع السّكك الحديدية الأخرى، مثل خط الأغواط–غرداية–المنيعة، ستُسهم في تعزيز النقل المحلي والإقليمي، وزيادة تنافسية الصادرات، وتقليص الفوارق بين المناطق الحضرية والريفية، بما يعكس إستراتيجية شاملة لربط البنية التحتية بالنمو الاقتصادي المستدام. ويتمثل العائد المتوقّع في تعزيز النقل المحلي والإقليمي، ورفع تنافسية الصادرات الجزائرية، وتخفيض الفوارق بين المناطق.
وبلغة تفاؤلية، خلص الدكتور تغرسي إلى القول إنّ الجزائر تؤكّد، من خلال مشاريعها الإستراتيجية وبنيتها التحتية المتكاملة، دورها المحوري في دعم التكامل الاقتصادي القاري، بعدما أصبحت بوابة لوجستية وتجارية تربط إفريقيا بأوروبا وآسيا. فميناء جن جن يمثل منصة بحرية متقدمة قادرة على تسريع حركة السلع عبر الممرات البحرية، فيما توفّر الشبكة السّككية خطوط ربط بين الجنوب والمناطق الصّناعية والموانئ لتسهيل نقل الموارد والمنتجات المصنّعة داخليا. كما تُسهم المطارات الحديثة والمناطق الحرّة للصناعة والتصدير في تعزيز حركة التجارة والخدمات، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتطوير قطاعات القيمة المضافة، بما يرفع من تنافسية الاقتصاد الوطني قاريا ودوليا. وأوضح أنّ أهداف الجزائر في هذا الإطار تتجلّى في تعزيز التجارة البينية الإفريقية، وربط الدول غير الساحلية بسلاسل التوريد العالمية، وزيادة الصادرات غير النفطية، وخفض تكاليف النقل الداخلي، إلى جانب خلق فرص عمل نوعية للشباب ودعم التنمية الصّناعية المتكاملة. وتسعى الجزائر، عبر هذه الإستراتيجية، إلى تكوين شبكة مترابطة من الموانئ والسّكك الحديدية والمطارات والمناطق الحرة، تعمل كمحور لوجستي متكامل يعزّز دورها الرّيادي في إفريقيا، ويجعلها عاملا أساسيا في دفع حركة التجارة والتكامل الاقتصادي الإقليمي.






