تحويل العلاقات السياسية إلى مشاريع اقتصادية
عملت الجزائر، في السنوات الأخيرة، على توسيع مجالات التعاون مع مختلف دول العالم لاسيما مع بروز مساع واضحة نحو تعميق الشراكة بينها وبين الدول الصديقة، في صورة الصين وإيطاليا مع إعادة ترتيب دوائر التعاون وفق منطق المصالح المتبادلة والنتائج القابلة للقياس، لاسيما على المستوى الاقتصادي. ويجري تكريس هذا التوجه بعيدا عن التصورات الضيقة للشراكة أو الهيمنة التجارية، والتي حاولت أطراف إبقاءها كخط واحد للتعامل مع الجزائر ولم تفلح.
بعث رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون برسالة إلى الرئيس الصيني شي جين بينغ ردًا على مراسلة بخصوص التعاون في مجال إطلاق الأقمار الصناعية، وهو ملف مهم يلامس جوهر السيادة التقنية والاقتصاد الرقمي.
وفي نفس المسار، تلقى رئيس الجمهورية اتصالًا هاتفيًا من رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني تحضيرًا لزيارة مرتقبة لها بعد شهر رمضان، بما يعكس رغبة الطرفين في دفع الشراكة إلى مستويات أوسع من الطاقة التقليدية نحو ملفات جديدة تتصل بالاستثمار والربط واللوجستيك على مستوى أوسع.
ويكتسب التعاون الفضائي بين الجزائر والصين والذي زاد حدة، في السنوات القليلة الماضية، قيمة خاصة لأنه ينقل العلاقة من مستوى التبادل التجاري وحده إلى مستوى بناء قدرات تقنية مستدامة، لاسيما وأن الأقمار الصناعية أصبحت أداة عمل يومية تهم الدولة والاقتصاد معًا، ولها دور أساسي في مراقبة الموارد المائية والزراعية، ومتابعة حرائق الغابات والفيضانات، تهيئة الأراضي، دعم التخطيط الحضري، ومرافقة المشاريع الكبرى عبر صور دقيقة تُقلّص هامش الخطأ وتُسرّع اتخاذ القرار بشكل سريع وفعال. كما أن الأثر على السيادة الاقتصادية والرقمية واضح مع تقليل الاعتماد على خدمات خارجية مكلفة وغير مضمونة العواقب، وتحسين جودة البيانات التي تُبنى عليها سياسات الزراعة والري والسكن والبنى التحتية، وتوفير منظومة معلومات تساعد كذلك في تأمين الحدود ومراقبة المسالك الحيوية.
وفي خلفية هذا الملف التقني، يستمر التعاون الاقتصادي بين البلدين الذي يشمل العديد من المجالات، لاسيما وأن الصين واحدة من أكبر الشركاء التجاريين للجزائر، وحجم المبادلات ظل في مستويات كبيرة، خلال السنوات الأخيرة، كما أن الصين يعد من الشركاء الرئيسيين في مجال التعدين وتحديدا في منجم غارا جبيلات والذي تم تدشينه بشكل رسمي، خلال الأيام القليلة الماضية، وتسعى الجزائر لبناء مزيد من الشراكات الناجحة مع العملاق الصيني لتشمل كل الأطر الاقتصادية التقنية والسياسية وحتى العسكرية، للمضي بالعلاقات التاريخية بين الدولتين إلى مستويات أكبر.
إيطاليا صديق الأمس واليوم والمستقبل
أما مع إيطاليا الجارة المتوسطية، فالصورة قد تبدو أوضح لاسيما فيما يخص مسألة تحويل العلاقات السياسية إلى مشاريع اقتصادية ذات أثر سريع بسبب القرب الجغرافي والعلاقات المتشعبة بين البلدين، والاتصال الهاتفي الأخير والذي سبق الزيارة المرتقبة لرئيسة الوزراء الايطالية إلى الجزائر تعكس ذلك، خاصة وأن العلاقة بين الطرفين انتقل من شراكة طاقوية إلى شراكة متعددة المستويات، بالرغم من أن الطاقة تبقى في قلب هذه العلاقة، بحكم ارتباط السوق الإيطالية بإمدادات الغاز الجزائرية، لكن ما يتشكل فعليًا هو مساعي كبرى لتوسيع دائرة المصالح لتشمل استثمارات في الاستكشاف وتطوير الحقول، تعاون في البتروكيمياء والخدمات المرتبطة بالطاقة، ومشاريع ربط واتصال تعطي بعدًا جديدًا للعلاقة خارج منطق «المصدر والمستهلك».
كما أن العلاقات الجزائرية الإيطالية شملت مجال الفلاحة، السنة الماضية، بشكل غير مسبوق في القارة الافريقية باستثمار ناهز الـ 400 مليون دولار، لأجل إنتاج الحبوب والبقوليات في الصحراء الجزائرية، وتسعى الجزائر وإيطاليا إلى توسيع مجالات التعاون أكثر لاسيما في مجال صناعة السيارات الهيدروجين والكهرباء، حيث تمتلك الجزائر فوائض كبرى في إنتاج الكهرباء تسعى إلى تصديرها لدول الجوار وتعد إيطاليا الأقرب إلى هذا، لاسيما مع خط الربط الكهربائي البحري والذي اتفق على إنجازه ليربط الدولتين.
شراكات أفقية لا عمودية
يؤكد العديد من المحللين والمتابعين للشأن الجزائري، أن الجزائر وفق منطقها الجديد أصبحت تتجنب الشراكات الخطية المغلقة، التي تُقيد التعاون في قناة واحدة وتُبقي ميزان القوة مختلًا لصالح طرف على حساب الآخر، حيث تبحث الجزائر عن شراكات تُدار كشبكة، لا كخط واحد وتنويع الشراكات في التكنولوجيا، والصناعة، والربط البحري واللوجستيك، ما يرفع من قدرة الجزائر على التفاوض، ويقلل من قابلية الضغط السياسي والاقتصادي، ويمنحها مساحة أوسع لاختيار ما يناسب أولوياتها بدل السير داخل أطر جاهزة تُصمم عادة لخدمة الطرف الأقوى.
وعلى المستوى الأوروبي تحديدًا، يكتسب تعميق العلاقة مع إيطاليا معنى إضافيًا، لأنه يؤكد أن الجزائر لا تقطع مع أوروبا، لكنها ترفض التعامل وفق صيغ تُحصر فيها الشراكة داخل سقف ضيق أو داخل تصورات طرف واحد. والفرق هنا أن الجزائر تريد أن تُكتب العلاقة بلغة المصالح المتوازنة، استثمار مقابل استقرار، نقل خبرة مقابل سوق، ربط مقابل خدمات، وتوسيع في مجالات جديدة بدل الاكتفاء بملف واحد يعيد إنتاج نفس التبعية، والتركيز فقط على ملفات مثل الهجرة غير الشرعية بدل البحث عن حلول حقيقية ،عميقة لحل هذه الظاهرة أو التقليل منها.



