ظلت الممارسة الفلسفية عند ميشال فوكو، لصيقة بالرؤى النتشوية، فهي لا تنفصل عن الحوار العميق والمستمر مع نصوص فريدريك نيتشه، ويمثل مقال “نيتشه، الجينيالوجيا، التاريخ” لحظة تحوّل حاسمة في المسار الفكري لفوكو، وهي اللحظة التي انتقل فيها من التحليل الأركيولوجي الصرف الذي يركز على بنية الخطاب إلى التحليل الجينيالوجي الذي يغوص في أعماق علاقات القوة والجسد والتاريخ الفعال.
يرى فوكو أن النيتشوية في الفلسفة الفرنسية الحديثة كانت بمثابة إقصاء لمفاهيم الإنسان والتاريخ كما ظهرت في القرن التاسع عشر، وهي المفاهيم التي كانت تستند على التمثل وتحليل العلاقات بين العناصر الجامدة، ولقد ذهب جيل دولوز إلى أن جوهر السلطة عند فوكو هو موقف نيتشوي عميق، حيث ينتقد نيتشه الحقيقة المتعالية التي تستند إلى القوى الغيبية والميتافيزيقا، ليجرها من عليائها نحو واقعها الأرضي المرتبط بالصراع.
في هذا السياق، تصبح المعرفة لدى كل من فوكو ونيتشه غير نزيهة وغير محايدة، فهي متداخلة مع السلطة ومصالحها تداخلا وثيقا؛ لأن الحقيقة – في نظرهما – هي ذاتها ممارسة للسلطة.
تفكيك الميتافيزيقا
ولقد سعى فوكو من خلال قراءة نيتشه إلى زعزعة اليقينيات الثابتة التي كانت تقف عليها الحقيقة، وكشف الأقنعة التي تتخفى وراءها دعاوى النزاهة والحياد، مؤكدا أنه لا يوجد مدلول أصلي يمكن الرجوع إليه، فالقيم والكلمات ليست سوى تجسيد لصراع القوى والتأويلات التي تهيمن على الدلالة وترفعها إلى مستوى الحقيقة.
إن التأثر الفوكوي بنتشه يرتبط بمنهج الحفر والنقد والتأويل، أو ما يسمى بالمعالجة الجينيالوجية للمعرفة، حيث تصبح الجينيالوجيا وسيلة لنسف الميتافيزيقا من جذورها عبر الحفر في التاريخ الذي يقوم على أساس القطع لا الوصل، ويسلط الضوء على ما جرى استثناؤه من الحقيقة عبر التاريخ، كالجسد والغريزة، ويظهر الحرب والهيمنة بدلا من السلم والحرية، فالجينيالوجيا – بحسب فوكو – هي بحث متواصل عن البدايات وليس الأصل، بكل ما تتسم به تلك البدايات من شتات في تفاصيلها وسخافة في هوامشها وقبح في مظاهرها، فالمعروف أن الميتافيزيقا ترمي إلى الكشف عن الأصل الواحد والجوهري، وإبراز اختراق الماهيات للأعراض، غير أن الجينيالوجيا الفوكوية تعمل على تفتيت هذا الأصل وتبيان أن وراء الأشياء سر يكمن في أنها لا تملك ماهية أصلية، أو أن ماهيتها تم تركيبها تدريجيا من أشكال غريبة ومتنافرة.
إن الجينيالوجيا كلمة رمادية وحساسة وتوثيقية تحتاج لصبر كبير، ونشاطها يتركز في مجال المخطوطات التي تتقاطع وتتداخل، وفي الوثائق التي تحتاج لتفتيش دقيق وتكرار ممل، ما يسبب للإنسان المعاصر نوعا من الاضطراب؛ لأنه يكشف عن الجذور غير النبيلة لما نعتبره مقدسا.. إن التاريخ الذي يسعى إليه الجينيالوجي، يهدف إلى تبيان أن الأحداث التاريخية تجد تفسيرها في توازنات القوى وليس في حركة العقل الكلي، وهذا يعني أن الجينيالوجيا ليست سوى تأريخ للحقيقة نفسها.
لقد استخلص فوكو درسا أساسيا من نيتشه يتمثل في الربط بين تاريخية المفاهيم وتاريخية العقل، وتاريخ الجسد، أي الكشف عن الجذور المعيارية للمقولات العقلية والدوافع النفعية والحيوية للمنطلقات حتى أكثرها إيغالا في الصورية والتجريد.
المعرفة والحقيقة
ومن خلال مقال “نيتشه، الجينيالوجيا، التاريخ”، يتضح أن فوكو انتقل من معاملة نيتشه كموضوع إبستمولوجي إلى معاملته ككائن لغوي وسياسي، والهدف النهائي هو تحديد مواقع فرض المعاني وكشف الانحرافات الصغيرة التي شكلت وعينا المعاصر، ذلك أن الجينيالوجيا تكشف أن معرفتنا لم تكن جزءا من الطبيعة البشرية، إنما هي اختراع وصراع، وهي أداة في يد القوة وليست مجرد وسيلة لاكتشاف حقيقة كانت موجودة مسبقا.
يرفض فوكو فكرة الأصل التي تفترض وجود أشكال ثابتة تسبق العالم الخارجي، ويستعيض عنها بمفاهيم مثل المنحدر، والبزوغ، فالأصل الميتافيزيقي يوضع دوما قبل السقوط وقبل العالم وقبل الزمن، بينما يدرك الجينيالوجي أن وراء الأشياء لا توجد هوية أصلية، لأن الموجود الوحيد هو صراعات وصدف، أما البحث عن المنحدر، فهو لا يعني العودة بالزمن لاستعادة استمرارية غير منقطعة، إنما يفرض تتبع الشتات والعلامات الدقيقة والجزئية التي تتقاطع لتشكل شبكة معقدة، وهو بذلك يرفض فكرة الروح أو الذات المستقرة لصالح نقد يستثمر في الجسد المطبوع تاريخيا. أما البزوغ فهو يمثل لحظة المواجهة وظهور الحدث في سياق علاقات الهيمنة، وهو لا يفترض جوهرا للفكرة، إنما يركز على التفاعل الفوضوي الذي أدى إلى ظهورها.
إن التاريخ الفعال عند فوكو هو التاريخ الذي يفتقر إلى الثوابت ويستبعد إعادة اكتشاف أنفسنا في الماضي، فهو يحرم الطبيعة والذات من استقرارهما، ويرفض رؤية التاريخ كحركة متجهة نحو غاية محددة. في هذا النوع من التاريخ، لا يكون الحدث هو المعركة الكبرى أو المعاهدة، بحكم أنه يمثل انعكاس علاقة القوى واغتصاب السلطة، حيث يبدو العالم كفيض من الصراعات العشوائية والأحداث المتشابكة، وبينما يسعى المؤرخ التقليدي لمحو أهوائه وتفضيلاته لادعاء الموضوعية، فإن التاريخ الفعال يقر بموقعه الخاص في الزمان والمكان، ويعترف بأن المعرفة هي منظور ومنحازة بطبيعتها.
الساحة الحقيقية لنقش التاريخ
ويؤكد فوكو أن الجسد هو الساحة الحقيقية التي يكتب عليها التاريخ آثاره، فالجينيالوجيا كتحليل للمنحدر تقع عند نقطة التمفصل بين الجسد والتاريخ، ومهمتها هي كشف الجسد المطبوع تماما بالتاريخ، وعملية تدمير التاريخ للجسد، ما يحول الجسد إلى حجم في حالة تفكك دائم، وسطح محفور بالأحداث اللغوية والأفكار، حيث تظهر عليه وصمات التجارب الماضية والرغبات والإخفاقات.
إن الربط بين الجسد والسياسة، عند فوكو، هو ما جعل الجينيالوجيا مدخلا للسياسة في مجال التاريخ، فهي تتبع فناء الذوات والأجساد من خلال مسارات، والمعرفة – في هذا المنظور – تصبح أداة للنمو والقوة بالنسبة للجسد الحي، كما يظهر في المنظورية النيتشوية حيث المعرفة هي اختراع عضوي للتعامل مع الواقع.
أنماط الحس التاريخي
ولقد أشار فوكو إلى ثلاثة استخدامات للحس التاريخي الجينيالوجي تعارض الأنماط الأفلاطونية التقليدية للتاريخ، أولها الاستخدام الساخر أو المحاكي (Parodic) الذي يعارض التاريخ كذكرى أو تبجيل، ويحول التوقير التقليدي إلى سخرية تكشف الأقنعة التي يرتديها الحاضر.
أما الاستخدام الثاني فهو الاستخدام التفكيكي أو الانفصالي (Dissociative) الذي يعارض التاريخ كحامل للتقاليد والاستمرارية، ويهدف إلى تبديد الهوية المستقرة وكشف الانقطاعات التي تمنع تكوين جذور ثابتة، بينما يعارض الاستخدام الثالث، بما هو الاستخدام التضحوي (Sacrificial).. يعارض التاريخ كالتزام بالحقيقة العالمية، كاشفا أن إرادة المعرفة هي إرادة خبيثة وقاتلة تقوم على الظلم، ما يتطلب تدمير المؤرخ الذي يدعي النزاهة العلمية.
إن المعرفة بالنسبة لفوكو النيتشوي، ليست فطرية، فهي مخترعة (Erfindung)، وقد نشأت من صراعات وتوترات محددة، وهي دائما مرتبطة بالحاجة والسيطرة.. لا وجود لحقيقة في ذاتها، لأن هناك تأويلات يتم فرضها من خلال إرادة القوة، والحقيقة هي نوع من الخطأ الذي تجمد بمرور الزمن، وأصبح غير قابل للدحض.
الجينيالوجيا أداة للتحرّر
هذا الموقف يفكك الذات العارفة غير المتحيزة التي هيمنت على الفلسفة الغربية، ويستعيض عنها بذوات مشكلة تاريخيا من خلال ممارسات السلطة والمعرفة، ما يعني أن الجينيالوجيا هي منهج للنقد يسمح بإزالة الغموض عن الوجه الخفي للمجتمع، وهي تمنح (المفكر) القدرة على تحويل المعرفة ضد السلطات السائدة من خلال الكشف عن تهافت أصولها.
إن مقال فوكو عن نيتشه، يمثل بيانا فلسفيا لنمط جديد من التفكير يتجاوز الميتافيزيقا ويبحث في “ما هو قريب جدا” بدلا من البحث في العوالم المورائية، والفلسفة كفن للسطوح تهدف لإبراز ما هو شديد الظهور لدرجة أنه يغيب عن وعينا، بينما تمثل الجينيالوجيا الأداة التي تمكننا من رؤية كيف أن أجسادنا وعقولنا وقيمنا هي نتاج صراعات تاريخية لم تنتهِ بعد. من خلال نيتشه، استطاع فوكو أن يؤسس لتاريخية لا تبحث عن الغايات قدر الانشغال بالصدف، ولا تبحث عن الأصول قدر حرصها على معرفة الانقطاعات، ما يفتح آفاقا جديدة للتحرر من خلال فهم الكيفية التي تم تشكيلنا كذوات في ظل أنظمة القوة والمعرفة.
أما التفرقة التي أجراها فوكو بين المصطلحات النيتشوية مثل “الأصل” و«المنحدر” و«البزوغ” فهي إعادة بناء كاملة لمفهوم الزمانية التاريخية، حيث يصبح الماضي ساحة للصراع وليس مستودعا للهوية.
إن الجينيالوجيا كما يمارسها فوكو هي فعل من أفعال المقاومة الفكرية التي ترفض التسليم بالبديهيات التاريخية، وتسعى دوما للكشف عن “الآخر المقنع” الذي يتوارى خلف خطابات الحقيقة والعدالة والحرية. ومن هنا، تظل النيتشوية الفوكوية مصدرا ملهما لكل محاولات التفكيك والنقد المعاصر التي تسعى لفهم تداخل المعرفة والسلطة في تشكيل العالم المعاصر.
ويمثل التحليل الفوكوي لنيتشه جسرا يربط بين نقد الميتافيزيقا الكلاسيكية والتحليلات المعاصرة للمؤسسات والسلطة الحيوية، حيث يظهر الجسد كعنصر مركزي في فهم كيفية عمل السلطة من خلال التدريب والترويض والنقش التاريخي. ولا تدّعي الجينيالوجيا الموضوعية الباردة، فهي “معرفة في حالة حرب”، تدرك انحيازها وتستخدم هذا الانحياز كأداة للتحليل والتحرر، وبهذا، فإن فوكو لم يكتفِ بقراءة نيتشه، إنما منحه القدرة على الكلام بلغة العصر حين حوّل مفاهيمه إلى مطارق تحطم الأصنام المعرفية المهيمنة على الفكر الإنساني.
ولعل التركيز على “البدايات الوضيعة” بدلا من “الأصول السامية”، يعكس روحا نقديا يرفض التقديس ويبحث في التفاصيل المادية التي تشكل الوجود اليومي، مثل العادات الغذائية وأنماط التنفس والاضطرابات العصبية التي هي في الحقيقة سجلات تاريخية محفورة في أجسادنا. ما يجعل التاريخ – من هذا المنظور- تجربة حية ومؤلمة أحيانا، بدلا من أن يكون سردا لأحداث ماضية لا علاقة لها بالواقع المعيش. ما ينتهي إلى القول إن الجينيالوجيا هي دعوة للنظر في المرآة التاريخية من أجل رؤية الانكسارات والتحولات التي جعلتنا ما نحن عليه اليوم، ولندرك أن بإمكاننا أن نكون شيئا آخر.
ولقد تمكّن فوكو – من خلال المقال موضوع القراءة – أن يحرر التاريخ من قبضة المؤرخين الميتافيزيقيين الذين حولوا الماضي إلى متحف للثوابت، وأعاد إليه حيويته وصراعاته وانكساراته، فالحقيقة الفعالة هي تلك التي تدرك أنها وليدة لحظة بزوغ معينة، وأنها قابلة للتغير والزوال بمجرد تغير موازين القوى التي أنتجتها، وهذا هو الجوهر الثوري في الجينيالوجيا الفوكوية النيتشوية، فهي لا تقدم حقيقة بديلة، لأن غايتها الأولى الكشف عن آلية إنتاج الحقيقة نفسها، كي تفسح المجال لإمكانات جديدة للتفكير والوجود.
وتتجلى قوة المنهج الجينيالوجي في قدرته على الربط بين الجزئي والكلي، بين الصدفة والضرورة، بين الجسد والخطاب، ليشكل رؤية متكاملة تتجاوز الثنائيات التقليدية في الفلسفة، ولقد رسم فوكو، بتتبع مسارات نيتشه، خارطة طريق للفكر النقدي المعاصر، تضع القوة في قلب المعرفة، والجسد في قلب التاريخ، والصراع في قلب الحقيقة، وبهذا، يظل مقال “نيتشه، الجينيالوجيا، التاريخ” مرجعا لا غنى عنه لفهم التحولات العميقة في الفلسفة والعلوم الإنسانية في القرن العشرين وما بعده.
بهذا المنطق، تصبح الجينيالوجيا هي “العلم المرح” الجديد الذي يتحدث عنه نيتشه، والذي يتبناه فوكو ليفكك به وقار المؤسسات الأكاديمية وصرامة المناهج التقليدية، ليفسح المجال لتفكير يتسم بالحيوية والقدرة على التغيير، والاستقصاء الفوكوي في نصوص نيتشه يكشف عن رغبة عارمة في تحطيم “صنم الحقيقة” وإحلال “لعب القوى” محله، حيث لا توجد نقطة ارتكاز سوى سلسلة لا تنتهي من التأويلات. ما يضعنا أمام مسؤولية أخلاقية ومعرفية جديدة، تتمثل في الوعي بموقعنا داخل شبكات القوة وفي قدرتنا على ابتكار طرق جديدة للوجود لا تخضع بالضرورة للقواعد المفروضة تاريخيا.. الجينيالوجيا إذن، هي فلسفة الحرية في أعلى تجلياتها، لأنها تبين أن ما تم بناؤه يمكن دوما تفكيكه وإعادة بنائه بشكل مختلف.
ويبقى حوار فوكو مع نيتشه في مقال الجينيالوجيا والتاريخ نموذجا فريدا لكيفية قراءة الفلسفة كأداة للتدخل في الواقع التاريخي والسياسي، فقداستطاع فوكو أن يجعل من نيتشه معاصرا لنا، وحوّل همومه الفلسفية إلى أدوات تحليلية تمكننا من فهم أعقد ظواهر الحداثة وما بعد الحداثة، وهنا تبرز أهمية هذا النص في المسار الفكري لفوكو وفي تاريخ الفلسفة المعاصرة ككل، كونه اللحظة التي التقت فيها إرادة القوة النيتشوية بإرادة المعرفة الفوكوية لتنتج أفقا جديدا للتفكير الإنساني.






