شهد العمل التطوّعي بالجزائر خلال السنوات القليلة الماضية تطوّراً ملحوظاً انعكس على طبيعة هذه الأنشطة نوعاً وكماً، فقد خرج العمل التطوّعي من عباءة “التدخّل عند الحاجة” ليتّخذّ شكل مبادرات استباقية قائمة على رصد الخلّل، حشد الإمكانيات، وتوجيه الموارد بطريقة أكثر نجاعة.
يستمد العمل التطوّعي بالجزائر قوّته وشرعيته المجتمعية من سياسة الدولة الاجتماعية، باعتباره تجسيداً حقيقياً لقيم التكافل والتآزر الراسخة في المجتمع الجزائري، مدفوعاً في ذلك بنظرة الدولة وسياستها تجاه الفئات الهشّة، ومقاربتها في حماية الأسر ذات الدخل المحدود في مختلف الظروف والمناسبات.
باتت الجمعيات الخيرية وجمعيات الأحياء تعتمد في برامجها التضامنية على مقاربة استباقية مبنية على ضبط قوائم الفئات المستهدفة بالتنسيق مع الهيئات الرسمية، ما منح الأنشطة الجوارية هامشاً أكبر من الشفافية وتقليص الهدر، وتحسين فعالية التدخّلات الميدانية خاصةً في المناطق النائية والولايات الحدودية التي تتطلّب خصوصية في التكفّل والدعم.
وفي هذا الإطار، أشارت عضو المرصد الوطني للمجتمع المدني بتندوف، عائشة رمضاني، إلى أن العمل التضامني في الجزائر اتّخذ آليات وأشكال متعدّدة أبرزها المنح المخصّصة التي تشكّل دعامة حقيقية للعائلات عديمة الدخل، الأيتام، ذوي الاحتياجات الخاصة، الأرامل، وكبار السن.
وأضافت قائلةً أن هذه المنح، وعلى اختلاف أنواعها ومصادرها، تأتي في إطار سياسة اجتماعية تسعى الى ضمان الحد الأدنى من العيش الكريم وتعزيز التماسك الاجتماعي، ما يجعل منها ـ حسب المتحدّثة- مساراً اجتماعياً متكاملاً يرافق الأسرة ويمنحها القدرة على تجاوز الأزمات، مؤكّدةً في ذات السياق أن المبادرات التضامنية لا تقتصر على دعم الدولة المباشر ولا على مساهمات المجتمع المدني، بل تمتدّ لتشمل مرافقة الأسرة نحو الإنتاج والاستقلال المالي على غرار برنامج “الأسرة المنتجة” المسطّر من طرف وزارة التضامن الوطني.
وقالت رمضاني في حديثها لـ«الشعب” أن مطاعم الرحمة الرمضانية المنتشرة عبر كل المدن والأحياء عبر التراب الوطني، باتت تلعب دوراً محورياً في التكفّل بالفئات المعوزّة وعابري السبيل، كونها تشكّل ملاذاً آمناً للمحتاجين، وعنواناً إنسانياً يعكس مدى تلاحم المجتمع، وتكريس قيم الخير الراسخة في وجدان المجتمع الجزائري، لاسيما الأشخاص الذين يعيشون ظروفاً اجتماعية صعبة، مشدّدةً على أن الجمعيات الأهلية والمنظمات وجمعيات الأحياء باتت شريكاً أساسياً للإدارة في كل البرامج التضامنية، نظراً لقربها من المواطن ومعرفتها الدقيقة بالواقع الميداني وإدراكها لمكامن الخلل، حيث تساهم هذه الجمعيات ـ تقول المتحدّثة – في عمليات الإحصاء، التحسيس، وتنظيم القوافل وموائد الإفطار، بالإضافة الى انخراطها في الكثير من المبادرات التي أكسبت العمل التضامني ببلادنا بُعداً أكثر شمولاً ومسؤولية جماعية تتحمّلها كل الأطراف.
وتابعت رمضاني قائلةً، إن العمل التضامني بالجزائر يسير بوتيرة متسارعة نحو نموذج أكثر تنظيماً، حيث أصبح يخرج تدريجياً من النشاط الموسمي الى مبادرات يومية تُكرّس قيم الرحمة والتكافل الاجتماعي وتؤسّس لمجتمع أكثر قدرة على مواجهة التحدّيات.
وعرّجت رمضاني للحديث عن المرصد الوطني للمجتمع المدني كأداة لإعادة صياغة العمل الجمعوي وإعادة بعث المبادرات المجتمعية وربط الجمعيات بالإدارة، مشيدةً بقرار رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون المتعلّق بإنشاء هيئة دستورية تُعنى بالمجتمع المدني، موضحةً بأن هذه الخطوة أعادت الاعتبار للعمل الجمعوي والتطوّعي في الجزائر، باعتباره ـ أي المرصد – شريكاً فعالاً في التنمية ومكمّلاً لدور الإدارة.
ونوّهت الى أن وجود المرصد الوطني للمجتمع المدني كان وثبة كبيرة في الطريق الصحيح، حيث مكّن من ترقية العمل الجمعوي وتحويل المبادرات الجمعوية من أنشطة مناسباتية الى فعل منظّم يراعي الشفافية والنجاعة، خاصةً في الكوارث وخلال شهر رمضان ومختلف المناسبات التي أبان فيها المجتمع المدني عن دوره الريادي والنبيل في دعم الاستقرار الاجتماعي.
وأشارت إلى أن قرار إنشاء المرصد الوطني للمجتمع المدني حمل في طيّاته رسائل واضحة، مفادها أن التطوّع ليس نشاطاً هامشياً، بل هو جزء من بناء منظومة مجتمعية متماسكة، مجدّدةً التأكيد على مكانة الجمعيات وجمعيات الأحياء كقوة اقتراح وإنجاز تساهم بشكل فعّال في حماية النسيج الاجتماعي وترسيخ قيم التضامن والتكافل بين الجزائريين.



