تسخير امكانيات معتبرة لتطوير بنية تحتية مؤهّلة للرّبط القارّي
أكّد الوزير الأوّل، سيفي غريب، أنّ الجزائر بما تملكه من موقع استراتيجي وإمكانات هائلة، ملتزمة بالعمل على تعزيز التكامل الإقليمي وربط القارات، وتجسيد رؤية طموحة للتنمية المستدامة، واعتبر هذه التّوجّهات تتيح فرصا واعدة للشباب والاقتصاد والاستثمار، وترسّخ بعمق التعاون الدولي، مشيرا إلى أنّ بلادنا ماضية في بناء اقتصاد متنوّع، مرن، وقادر على مواكبة التحولات العالمية، وأفاد في نفس السياق بأن الجزائر تسخر امكانيات معتبرة لتطوير بنية تحتية مؤهلة للربط القاري، وتعزيز الاندماج الإقليمي.
قدّم الوزير الأوّل في عرض دقيق ومعمّق راهن التكامل والشراكة القائمة بين شمال إفريقيا وإفريقيا جنوب الصحراء والقارة الأوروبية، وتعد الجزائر أفضل نموذج لأنّها تمثّل قطبا طاقويا للقارة الأوروبية، ورافعة تنموية للبلدان جنوب الصحراء.
وجاء ذلك لدى إشرافه على افتتاح ندوة رفيعة المستوى تحت عنوان “شمال إفريقيا: ربط القارات وتعزيز الفرص” بالمركز الدولي للمؤتمرات عبد اللطيف رحال.
وأشاد الوزير الأول، سيفي غريب، بمتانة الشراكة الإستراتيجية التي تجمع بنك الجزائر بصندوق النقد الدولي، واصفا إياها بنموذج للتعاون المؤسسي البناء بين هيئتين دوليتين عريقتين، تتقاطع خبرتهما عند هدف مشترك يتمثل في ترسيخ الاستقرار الاقتصادي والمالي الكلي.
وأكّد أنّ هذا التعاون يعكس إرادة مشتركة لتكريس حوكمة اقتصادية رشيدة، وتعزيز قدرات التكيف مع التحولات العالمية، بما يخدم مسار التنمية المستدامة، ويسهم في بناء اقتصاد أكثر صلابة وتوازنا.
الآمال والفرص الواعدة
كما ثمّن المسؤول الأول على الجهاز التنفيذي، الدور الذي تضطلع به هذه الشراكة في توطيد جسور التعاون الاقتصادي الدولي، وتعميق تبادل الخبرات والمعرفة التقنية، بما يدعم خيارات الجزائر الإصلاحية ويعزّز حضورها كشريك فاعل ومسؤول في المنظومة المالية العالمية.
ونقل الوزير الأول في مراسم افتتاح هذه الندوة رفيعة المستوى، تمنيات السيد رئيس الجمهورية الصادقة بالتوفيق والنجاح في أشغال هذه الندوة الهامة، التي نظّمت في إطار جهود مشتركة تجمع بنك الجزائر وصندوق النقد الدولي.
وأوضح الوزير الأول أنّ عنوان الندوة يجسّد رؤية إستراتيجية متكاملة، تعترف لمنطقة شمال إفريقيا بدورها الطبيعي والتاريخي والاستراتيجي، باعتبارها حلقة وصل محورية بين قارتي إفريقيا وأوروبا.
رسم التّوازنات الاقتصادية
وأشار إلى أنّ هذه الفعالية تعقد ضمن سياق عالمي يشهد تحوّلات جذرية وعميقة، تتّسم بتزايد حدة الاستقطاب الجيوسياسي، وإعادة تشكيل سلاسل القيم العالمية، وتسارع وتيرة التحول الطاقوي والرقمي، فضلا عن الآثار المتنامية للتغيرات المناخية، وهي عوامل مجتمعة تعيد رسم القواعد الجديدة للتوازنات الاقتصادية الدولية.
وفي مواجهة هذه التحولات الدقيقة، أبرز غريب تنامي رغبة الدول والمؤسسات في ضمان أمن واستدامة سلاسل التوريد، لا سيما من خلال تقليص مستويات التعرّض للمخاطر، مع إيلاء أهمية متزايدة للعامل الجغرافي.
وفي هذا الإطار، اعتبر أنّ الموقع الجغرافي والاستراتيجي لمنطقة شمال إفريقيا يشكّل ميزة تنافسية كبرى، لكنه في الوقت ذاته يفرض مسؤولية مشتركة تقع على عاتق جميع الفاعلين من أجل حسن توظيفه وتعزيز مكاسبه التنموية.
نموّ شامل ومنصف
وأوضح الوزير الأوّل غريب سيفي أنّ الربط بين القارات لا يقتصر وحده على تشييد الموانئ وشق الطرقات ومد خطوط السكك الحديدية، أو إقامة البنى التحتية الطاقوية، على أهميتها القصوى، حيث يتجاوز ذلك ليشمل، بالدرجة الأولى، الربط بين المنظومات الاقتصادية، وتنسيق الأطر التنظيمية، وتسهيل تدفّق الاستثمارات، وتحفيز نقل التكنولوجيا. وأكّد في هذا السياق أن الرهان الحقيقي يتمثل في بناء روابط تتجاوز حدود الأسواق لتطال الأفكار والآفاق والتطلعات المشتركة.
وفيما يتعلق بخلق الفرص، شدّد الوزير الأول على أن الأمر لا يمكن أن يختزل في تحقيق معدلات نمو اقتصادي مجردة، بل يقتضي الحرص على أن يكون هذا النمو شاملا، مستداما ومنصفا. وهو ما يستدعي، بحسبه، إيلاء عناية خاصة لدعم ريادة الأعمال والابتكار، وتعزيز دور المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ومواكبة التحول الرقمي، إلى جانب تطوير آليات تمويل مبتكرة قادرة على الاستجابة لمتطلبات التنمية، ومتناغمة في الوقت ذاته مع مقتضيات مكافحة التغيرات المناخية.
وأكّد أنّ الطموح المعلن بأبعاده الإقليمية والدولية، ينسجم مع الإستراتيجية الوطنية الهادفة إلى تنويع الاقتصاد، وتجسيد انفتاح اقتصادي مدروس ومتحكم فيه، يقوم على التوازن بين متطلبات الجاذبية الاستثمارية وحماية المصالح الوطنية.
تحديث الأطر التّنظيمية
وأكّد الوزير الأوّل أنّ الجزائر تعمل على تعزيز التكامل الإقليمي، وتحسين مناخ الأعمال، وتبسيط الإجراءات الكفيلة بتشجيع الاستثمارات المدرة للثروة وخلق مناصب الشغل، إلى جانب ترسيخ موقع الاقتصاد الوطني، بشكل مستدام، ضمن سلاسل القيمة الإقليمية والعالمية.
وأوضح أنّ هذه المقاربة تستند إلى إصلاحات هيكلية معمّقة، وتحديث تدريجي للأطر التنظيمية، مدعومة بإرادة سياسية واضحة تهدف إلى تعزيز مرونة الاقتصاد الوطني وقدرته على التكيف مع التقلبات الخارجية، بما يضمن استدامة النمو ويحافظ على التوازنات الاقتصادية الكلية.
وأكّد الوزير الأول أنّ الجزائر تسخّر إمكانيات معتبرة لتطوير بنية تحتية مؤهلة للربط القاري وتعزيز الاندماج الإقليمي، من خلال شبكة طرق حديثة تمتد عبر مختلف ربوع الوطن، في إطار رؤية عملية للاندماج الإقليمي، لاسيما عبر الطريق العابر للصحراء.
كما أشار إلى تنفيذ برنامج طموح للربط السككي، يشمل الخط المنجمي الغربي الذي دخل حيز الخدمة مؤخرا، والخط المنجمي الشرقي المرتقب قبل نهاية السنة الجارية، إلى جانب مشروع الربط السككي شمال – جنوب، ما سيرفع طول الشبكة الوطنية من نحو 6000 كلم إلى قرابة 9000 كلم. وبالموازاة مع ذلك، تواصل الجزائر تطوير شبكة الموانئ والمطارات، واستحداث منصات لوجستية خاصة بالمناطق الحدودية، بهدف تعزيز المبادلات التجارية وتحفيز الاستثمار.
تثمين المورد البشري
وأوضح الوزير الأول غريب سيفي أنّ الربط بين القارات لا يقتصر على تعزيز البنى التحتية المادية فحسب، بل يستوجب كذلك إدماج المنظومات الاقتصادية وتثمين رأس المال البشري. وفي هذا السياق، أكّد أنّ الشباب في الجزائر محرك أساسي للتنمية، ما يفرض توفير إطار تنظيمي عصري ومبتكر يتيح له التحرر من القيود وتمكينه من استثمار كامل قدراته.
وعلى الصعيد القاري، أشار الوزير الأول إلى أنّ الجزائر، ومن أجل ضمان استغلال أمثل للموارد، عملت على مأسسة المؤتمر الإفريقي للمؤسسات الناشئة الذي تحتضنه سنويا، بهدف إنشاء منصة قارية دائمة للحوار والتكامل بين النظم البيئية للابتكار، مؤكّدا التزامها بمواصلة تقاسم هذه التجربة، وتعميم الاستفادة من آلياتها لفائدة الدول الإفريقية.
وأشار الوزير الأول إلى أنّ الجزائر تعمل، بالموازاة مع ذلك، على تطوير البنية التحتية للاتصالات عبر توسيع شبكة الألياف البصرية بوتيرة متسارعة، وتعزيز قدراتها الفضائية بشكل مستمر، مؤكّدا أن هذه القاعدة التقنية تشكل رافعة لتحويل المزايا الطاقوية إلى محرك لدعم الذكاء الاصطناعي. وأضاف أن توفر طاقة مستدامة وموثوقة يؤهّل الجزائر لاحتضان بنى تحتية مخصصة لتخزين ومعالجة المعطيات، ويضع أسس بناء نظام بيئي قاري تتكامل فيه الصناعات الاستخراجية مع اقتصاد المعرفة.
حوار وتخطيط استراتيجي
وفي السياق ذاته، أوضح الوزير الأول أنّ الجزائر توازي بين تطوير البنى التحتية وترقية المورد البشري، الذي يبقى محور وغاية هذه السياسة، كما تعكسه الاستثمارات المعتبرة الموجهة لتطوير التعليم بمختلف أطواره، وتعزيز التكوين المهني، وصقل المهارات في شتى المجالات، وهو ما مكّن البلاد من تبوّء مكانة ريادية في مؤشر التنمية البشرية على المستوى القاري.
واعتبر غريب أنّ منطقة شمال إفريقيا تزخر بمؤهلات هائلة، بفضل طاقتها الشبابية الصاعدة، المتزايدة تأهيلا وانفتاحا على العالم الرقمي، إلى جانب تنوّع مواردها الطاقوية، وإمكاناتها الكبيرة في مجالات الطاقات المتجددة، الخدمات اللوجستية، الصناعة والخدمات. وشدّد على أن تحويل هذه المؤهلات إلى فرص ملموسة ومستدامة يستدعي تضافر الجهود، لا سيما عبر تعزيز التنسيق بين دول المنطقة، وإرساء حوار دائم بين القطاعين العام والخاص، وبناء تعاون وثيق على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية.
وأعرب الوزير الأول عن قناعته بأنّ أشغال هذه الندوة التي تحتضنها الجزائر، ستكون ثريّة ومثمرة، وستسهم في استشراف الخيارات المستقبلية، وإثراء السياسات العمومية، وتعزيز الشراكات بين الدول والمؤسسات، بما يخدم تنمية مشتركة ومستدامة.





