إرادة الانتصـار تسفــــه أحلام المغروريــن والمهزومـين
اغرورقت عيناي بالدموع وأحسست بكياني يهتز. نظرت الى زميلي من الهدف وإذا بوجهه قد احمر، وسالت دموعه وفقد السيطرة على أعصابه فأجهش بالبكاء. لقد أعلن البيرو نهاية المقابلة لصالح الجزائر 2-1.
هل كان احد من الأوروبيين يصدق أن بطل أوروبا وقاهر عمالقتها يخر اليوم راكعا أمام الجزائر..؟ هذا بطبيعة الحال ما لم يكن يتبادر الى ذهن أي أوربي أما نحن فكانت لدينا ثقة كبيرة بأبناء وطننا العزيز، في هؤلاء الذين رفعوا رأس الجزائر عاليا وحملوا الراية العربية الإفريقية فوق كل الرؤوس. إنهم فعلا خير خلف لخير سلف، لقد حققوا معجزة كبيرة وليس ذلك بغريب فهم أبناء المعجزات والمفاخر.
إن كل ما قيل عنهم من طرف بعض المتطفلين في الأيام الأخيرة لم تكن سوى تهور من أناس لا يحترمون أنفسهم ولا الآخرين. «تحيا الجزائر» هكذا وقف أنصار أبطالنا بملعب خيخون مهللين ومشجعين وشاكرين هؤلاء الأفذاذ على ما قدموه فوق الميدان الذي نزل اليه بعضهم حاملين الأعلام الوطنية ليفضلوا هؤلاء العمالقة الذين أحدثوا اكبر مفاجأة في هذه الدورة وحتى في غيرها من الدورات لقد أكد لاعبونا للألمان عامة وللصحافة الألمانية التي وصفتهم في يوم ما بانهم قادمون من أدغال إفريقيا ولا يعرفون فن الكرة، إنهم يتحدون الفريق الألماني الذي لم ينهزم أمام كبار أوروبا منذ بدء التصفيات. ورشحت كل الدوائر المختصة وغير المختصة للفوز بكأس العالم الـ»82» طبعا، حتى ولو فاز الألمان بهذه الكأس فلم يكونوا أحسن من فريقنا الذي هزمهم في مقابلة لم تعط له أي حظوظ في الفوز بها، فقد وضع في آخر قائمة التكهنات ولم يكن في نظر الصحافة الأوروبية حظه أكثر من واحد على خمسة آلاف للفوز على أبطال العالم السابقين. وها هي المعجزة تحدث وها نحن نخرج من الملعب برؤوس مرتفعة ودموع فرحة لا يمكن التعبير عنها بكلمات أو اسطر.
وها هم الألمان أنفسهم يعترفون ويقرون بان الفريق الجزائري كان أحسن بكثير من فريقهم وبأن رومينيغي وبرايتنز وغيرهما من نجوم ألمانيا وأوروبا الذين زرعوا الرعب والخوف في كل ملاعب القارة، يعرفون اليوم سقوطا لا مثيل له أمام شبان هواة سلاحهم الوحيد الدفاع عن الألوان الوطنية، وغايتهم الأولى والأخيرة تشريف بلد المليون ونصف مليون شهيد، وتقديم أجمل هدية لـ»20» مليون جزائري يستعدون للاحتفال بمرور عشرين سنة عن استقلال بلادهم.
إنه انتصار لا يوجد أعظم منه انتصار جاء في الوقت الذي ذهبت فيه بعض الأطراف قبل انطلاق المقابلة إلى وضع الجزائر في نفس الترتيب مع السلفدور التي انهزمت أمام المجر (10-1). ماذا أقول؟ لقد عجز قلمي عن الحركة كما عجز لساني عن التعبير. وتوقف مخي عن التفكير بالفرحة الكبرى التي عمت كياني كما عمت كيان كل متنقل من الجزائر إلى اسبانيا ومن العرب والأفارقة برئاسة (تسيبمبا) الذين يتوقعون نتيجة الكاميرون أحسن ما تقدمه إفريقيا في هذه الدورة. واضعين الفريق الجزائري على الهامش.
ماذا يقول اليوم أولئك الذين قالوا في يوم ما بليبيا أن الجزائر لن تحقق نصف ما حققته تونس في سنة 1978 بالأرجنتين ولا حتى المغرب في 1970 بالمكسيك؟ إنهم لم يجدوا دون شك ما سيقولونه عن أبناء بلادي الذين كافحوا واستماتوا وهددوا وسجلوا هدفين جميلين وخلقوا فرصا ثمينة للتسجيل وكان بإمكانهم أن يفوزوا بأربعة أهداف.
إن اسم الجزائر العربية المسلمة الإفريقية تردد اليوم – بفضل هؤلاء الشبان الواعين بمسؤوليتهم ألسنة ملايين المتفرجين عبر دول العالم المختلفة. فهم لم يتفوقوا على فريق عادي بل قهروا بطل أوروبا وأحد أبطال العالم السابقين، ومرشح رئيسي للفوز بكأس هذه الدورة.
شكرا يا ابناء الجزائر الذين أبيتم إلا أن تقدموا أجمل هدية وأثمنها لبلدكم الحبيب الذي يستعد للاحتفال بالذكرى العشرين للاستقلال ورفعت رؤوس محبيكم الذين تحملوا كل المتاعب وتنقلوا إلى هنا ليكونوا بجانبكم وبدون استثناء ما جعل أحباءكم في الجزائر يحتفلون بهذا الانجاز اكبر احتفال.
هنيئا لك يا جزائر بهذا الانتصار الرائع الذي دعم سمعتك في العالم والى الأمام.
17 جوان 1982 .





