في أقصى نقطة من الجنوب الغربي من هذا الوطن العزيز، ومن تندوف، يقف الشاعر الشاب محمد معروف، ومن أعلى هضبتها العليا عازفاً على قيثارة وجدانه لحن الجمال ولحن الخلود، منشداً حب الثورة وحب الوطن، متغنياً بالأمجاد في عزها، مكبراً الثورة في أوجها، ويرنو من الهضاب إلى ساحة ميدانها، فإذا الأرض جنة وحظها منا رجال عظماء!!..
امْتَطَيتُ هِضَاباً لآرَاكَ
أنتَ جَنَّه نالها تَخلِيدُ
فَذا مَصنَعٌ وَذَاكَ حَقْلُ
وتِلكَ قَريَة بَنَاهَا جَدِيدُ
حَظُّكَ مِنا رِجَال عِظامُ
قِوَامُهُم ايمَان وتَوحِيدُ
والشاعِر الشاب ابن فارح محمد معروف من مواليد 1951 بتندوف وأستاذ بمتوسطة قدوم عثمان بنفس المدينة حيث أجرينا معه هذا الحديث القصير.
تجاذب الحاضرون أطراف الحديث، دارت مناقشة حول الفن والشعر والشعراء، وحول قضايا أدبية ونقدية وحول عملية تكون الشعر أو الشعور ببداية الميل إليه، أحلت الموضوع على ابن فارح ليعبر عن بدايته الخاصة:
تكوّن لدي ميل إلى الشعر منذ الصغر بفضل مطالعاتي في الكتب الأدبية، وشغفي بها، وازداد تذوقي له على مر الأيام والسنين خلال مراحل الدراسة وعلى يد أستاذ جزائري لازلت أذكر اسمه (عرقاب عمار) في السنة الثانية من التعليم المتوسط فكان تشجيعه لي حافزاً كبيراً على الاستمرار، وحدث أن درسنا قصيدة لحافظ إبراهيم، أعجبت بها، وما قلته آنذاك بعدها:
لغتي ما أحلى نطقها
عندما يلفظها لساني
يستيقظ القلب من منامه
ويخفق لها بالحنان
يروي تاريخ محمد بها
وهجرته للميدان
فاطلع عليها الأستاذ وشجعني، ومن هنا كانت البداية في محاولة قرض الشعر، وبعدها عكفت في دراساتي الخاصة على أشعار المتنبي، وشوقي وحافظ إبراهيم وغيرهم، وبعد أن شعرت أن تجربة خاصة بدأت تتكون لدي في قول الشعر، أحسست بالموهبة، وأحسست بأنني أستطيع قرض الشعر، وعلى حد حكمي الشخصي أنني شاعر، وشعرت عندئذ أن للوطن نصيب في شعري.
في البداية أفهم أن تجربتك كانت ذاتية خاصة، وبعدها كان الخروج من الذات؟
قبل ذلك لا أنكر أن شعري كان ذاتياً يتعلق بتجربتي الذاتية، فكان شعراً وجدانياً عاطفياً، وأعطيك مثلاً: قصيدة «منى الحياة».
الجمال في قوامك مكنون
في الشعر والوجه والعينين
وأبهى ما فيك خصر جميل
وثغر بسام في كل حين
ثلجية الأسنان في بياضها
وردية الشفاه والوجنتين
وبعد ذلك وجدت نفسي أمام منجزات وطنية تتحقق وأحداثاً تتوالى يوماً فيوم، فوجدت الميدان خصباً وفسيحاً وأدركت أنني كنت في غفلة عنه ومن واجبي أن أشارك بقصائدي وهي أقل ما يمكن أن أقدمه إلى وطني، فكانت عدة قصائد منها: «مجدك يا بلادي»، «ثورات ومبادئ»، «عملاق الثورة لن يموت – ابن باديس»، «زلزال الأصنام»، فمن قصيدة: «ثورات ومبادئ» مطلعها:
أصب فكري أفني جسدي
قرباناً مني لحمى بلدي
أضمد جرحاً أبني صرحاً
أقف طوداً في وجه المعتدي
أزرع حقلاً أقلب أرضاً
أمسك فأساً قواه ساعدي
أرفع قلمي أكتب الثورة
أحي علمي كفن جسدي
أنا الجزائري أنا العبقري
من المعجزات أخلق سندي
• هل لنا أن نعرف رأيك في قضية طالما لاكتها الألسن: الشعر والشعر الحر؟
لست في الحقيقة معارضاً للشعر الحر صراحة، أعتقد أن الإنسان أو الفنان لا يستطيع أن يقف دفعة واحدة ضد فن جديد أو ظاهرة، فربما أجد نفسي في يوم ما أقول الشعر الحر.. كما لا يمكنني القول إن الشعر العمودي أو الشعر الحر لا يعبران عن روح العصر أو قضايا المجتمع، فالفكرة هي هي سواء لدى قائل الشعر الحر أو العمودي، والشاعر يعيش واقعه وعصره، وإنما يبقى الفارق شكلي في نظري.. مثلاً في قصيدة حافظ إبراهيم «تربية المرأة – الأم مدرسة» الفكرة لا تزال إلى اليوم مطروحة أمام المجتمع، وقد أجاد فيها حافظ مثلما يجيد فيها شاعر اليوم بنفس الشكل أو بطريقة أخرى، وفي كلا الطريقتين يقدمها إلينا تزخر بحيوية من روح العصر والقضية أيضاً تكمن في قدرة الشاعر على الإجادة في فنه وإبداعه وعلى امتلاك اللغة وتطويعها.
هــل لديــك ميــل إلى شعراء معينـــين؟
المتنبي مثلاً أكبر فيه متانة الأسلوب والقدرة على التحكم في اللغة والحكمة التي يزخر بها شعره، والشابي يمتاز بقدرة ينقل بها القارئ إلى جو الفكرة في القصيدة رغماً، وأنا أقرأها أشعر أنني أعيشها وبخاصة في القصائد التحررية لها في نفسي إيقاع خاص!
أيــن سبـق لك أن نشـرت؟
بعثت لـ «الشعب»، فكانت هناك ردود توجيهية وتشجيعية ووعدوني بالنشر، لكنني كنت أماطل في الإرسال، وكنت أنتظر أن تكون هناك مناسبة تمكنني من الالتقاء مع القراء على متن صحيفة من صحفنا الوطنية أو الجهوية لأطلع القراء على بعض من أشعاري وأتصل بالمهتمين منهم وآمل أن تكون هذه الأمنية التي تحققت الآن فاتحة لمجال أوسع.
أخـيرا.. هــل لك كلمـــة؟
هناك حركة أدبية جادة أتمنى أن تحظى برعاية المهتمين والمعنيين وبلا شك فإن هذه الحركة تبشر بالنجاح وكل ما نتمناه أن يتم اكتشاف المواهب التي لم تكشف عن نفسها بعد، وبهذه المناسبة أشكر «الشعب» التي اكتشفتني وأتاحت لي هذه الفرصة.
01 ديسمبر 1980






