العــدد 20 ألفـاً.. رمـز لاستمراريـــة الكلمـة الوطنيــة العليـــا
نعم.. العدد 20 ألف رقم تسلسلي، غير أن معناه الحقيقي يمثل استمرارية الكلمة الوطنية، ويقول صراحة إن جريدة «الشعب» منبر سيادة ومدرسة وعي وذاكرة أمة، وسجل شاهد على وطن مفدى، والاحتفال بالعدد العشرين ألف لـ»الشعب» لا يختزل في إنجاز مهني؛ لأنه يمثل محطة رمزية في تاريخ الجريدة، منذ تأسيسها.. إنه احتفال بمسار إعلامي تليد سلّمه التاريخ لجريدة «الشعب» كي تكون أول جريدة جزائرية تحقق الرقم 20 ألفا.. عن الموضوع، التقنا الدكتور هواري تيغرسي، فكان هذا الحوار
الشعب: احتفلنا منذ حوالي شهر ونصف بعيد تأسيس «الشعب»، واليوم نحتفل بها وهي تصدر العدد 20 ألفا، وهو رقم يتحقق لأول مرة في تاريخ المشهد الإعلامي الوطني.. نود لو تحدثنا دكتور تيغرسي عن «الشعب» كما عرفتها..
الدكتور هواري تيغرسي: قبل كل شيء، أود أن أعبر عن عظيم شرفي وأنا في حضرة البيت الإعلامي العتيق، جريدة «الشعب»، لمقاسمة فريقها فرحة وعزة مسار طويل وهو يتوّجه بالعدد «20 ألف» اليوم.. عندما نتحدث عن جريدة «الشعب» نحن لا نتحدث عن وسيلة إعلامية تقليدية عريقة عمرت أزيد من نصف قرن، بل عن مؤسسة قوية الركائز، رافقت تشكل الدولة الجزائرية، وهو ما ينتقل بها من بعدها المهني إلى بعدها التاريخي والسيادي، ويضعها ضمن أدوات بناء الدولة، لا على هامشها. فبالنسبة لبعدها التاريخي والرمزي، يمكن اعتبارها – ولا أبالغ في ذلك – امتدادا لمعركة الاستقلال، فـ»الشعب» أول جريدة عمومية ناطقة باللغة العربية بعد الاستقلال، وهذا حدث مفصلي في مسار الدولة الجزائرية، فالاستعمار لم يكن احتلال أرض فقط، إنما كان تفكيكا للهوية،و إقصاءً للغة وإعادة تشكيل للفضاء العمومي وفق رؤية استعمارية، ما جعل الدولة الجزائرية – بعد الاستقلال – تخوض ما يمكن تسميته بـ»المرحلة الثانية من التحرير» المتمثلة في تحرير الوعي والفضاء الثقافي.. وهنا جاء دور «الشعب» – في رأيي – ضمن ثلاث وظائف سيادية كبرى تلخصت في استرجاع السيادة الرمزية، فالسيادة ليست فقط حدودا وجيشا، بل أيضا السيادة على لغة النقاش، وبظهور «الشعب» باللغة العربية، استعادت الدولة حقها في أن تخاطب شعبها بلغته، وأن تنتج خطابها خارج القوالب التي فرضها الاستعمار. أما الوظيفة الثانية فتتمثل في إعادة تشكيل الفضاء العمومي، فالصحيفة هنا ليست ناقل للخبر فقط، بل منتِجا للفضاء العام، تناقش من خلاله قضايا التنمية وتطرح الرؤى الاقتصادية ويبنى تصور الدولة عن المجتمع، وهذا يعني أن جريدة «الشعب» ساهمت – بشكل فعال – في بناء فضاء نقاش وطني بلغة وهوية جزائريتين، وبناء وعي جماعي حول السيادة والوحدة، ما يجعل منها أداة تثبيت الشخصية الوطنية، وليس مجرد مؤسسة إعلام.
هذا يعني أننا نتحدث عن مؤسسة «الشعب» كمنبر وطني، صانع للتاريخ..
صحيح.. جريدة»الشعب» لم تكن أبدا إعلام ضجيج، فقد ظلت على الدوام محترفة تراهن على إعلام التفسير والتأطير، إعلام شارح للأحداث، ملتزم بوظيفته في البناء الوطني، وهنا دعيني أقدم لك مثالا، في الدول الحديثة، المواطن لا يتعامل يوميا مع المؤسسات مباشرة، بل يفهمها عبر الإعلام، وأظن، بل أجزم أن «الشعب» قد وُفقت في لعب هذا الدور عبر شرح السياسات الاقتصادية وتفسير القرارات الكبرى وتقديم الخلفيات والسياقات، وبذلك ساعدت في تقليص المسافة بين صناع القرار والمجتمع، إضافة إلى مرافقة السياسات العمومية، فعندما تطلق الدولة مشاريع كبرى أو إصلاحات، لا يكفي القرار الإداري، فهو يحتاج إلى خطاب يشرح وتحليل يفسر ومساحة نقاش تؤطر، وهنا كانت «الشعب» منبرا لمرافقة هذه التحولات، ما جعلها شريكا في عملية البناء، لا مجرد ناقل للخبر.. واليوم، وبعد مسار 63 عاما، يمكن القول إن «الشعب» ساهمت في ترسيخ لغة سياسية رصينة، وخطاب وطني بعيد عن الشعبوية، وهذا في حد ذاته عنصر حاسم في بناء الدولة الحديثة، فمن منطق الدولة لا منطق الإثارة، ومقابل إعلام يقوم على السبق الصحفي، كانت ولازالت «الشعب» تعمل وفق منطق الاستمرارية والتوازن والمصلحة الوطنية، وهذا ما يجعلها جزءا من البنية الفكرية للدولة الجزائرية، لا مجرد فاعل إعلامي فقط، لتصبح بذلك جريدة تؤدي وظيفة سياسية-تاريخية وأداة سيادية رمزية، وسجلا لمسار الدولة الجزائرية.
ماذا تمثل جريدة «الشعب» بالنسبة لك دكتور، وأنت من عايشتها خلال مسارك الطلابي والشبابي والجمعوي والسياسي؟
الإجابة تتجاوز علاقة قارئ بجريدة، لتصبح علاقة مسار تكوين بمؤسسة إعلامية، أصدقك القول، أنا اليوم لا أحتفي معكم بعيد جريدة، وفقط، بل أستعرض تاريخ الدولة الجزائرية عبرها، وهنا أود الحديث عن «الشعب» كمؤسسة، وعلاقتها بتجربة إنسان منخرط في مسار وطني كطالب، وناشط شبابي، وفاعل سياسي وجمعوي. فذكرياتي مع «الشعب» كان لها دور في بلورة وعي الطالب المثقف لدي، والفاعل الشبابي والسياسي فالجريدة رافقت مسار وعي قبل أن ترافق مسار دولة، لطالب في سني آنذاك وأكاديمي، وفاعل في الحركة الكشفية والمنظمات الشبابية، وبعدها العمل السياسي، والتمثيل المحلي والوطني، فإن «الشعب» لم تكن يوما مجرد صحيفة تقرأ، بل كانت إحدى أدوات التكوين غير المباشر للوعي الوطني، ومدرسة موازية للجامعة، ففي المسار الأكاديمي، يتعلم الطالب النظريات، والمفاهيم، والمناهج، لكن فهم الخطاب العام، وتحولاته، لا يأتي من الكتب فقط، بل من متابعة الإعلام المؤسسي الرصين.. هنا لعبت «الشعب» دورا أساسيا في فهم تطور السياسات العمومية ومتابعة الخطاب الرسمي في مراحله المختلفة، وخاصة قراءة التحولات الاقتصادية من زاوية وطنية، أقولها من موقع الخبير الاقتصادي اليوم، فقد كانت الجريدة فضاء يربط المعرفة النظرية بالواقع السياسي والاقتصادي المعيش.
أما بالنسبة للناشط في الكشافة والتنظيمات الشبابية مثل الاتحاد الوطني للشبيبة الجزائرية، فدورها يقوم على غرس قيم المواطنة والانتماء والانضباط والوعي الوطني، «الشعب» كانت حاضرة كمنبر يعزز هذه القيم من خلال إبراز المبادرات الشبابية، تغطية النشاطات الوطنية، وربط الجيل الجديد بمشاريع التنمية والسيادة. بالتالي كانت الجريدة جسرا بين الشباب ودولته، وبين النشاط الميداني والرؤية الوطنية الكبرى.
أما بالنسبة لي كفاعل سياسي وحزبي سابقا، يمكنني القول إنه في التجربة السياسية، يتعلم الإنسان أن الدول لا تدار بالشعارات فقط، إنما بالسياسات والتوازنات والرؤية الاستراتيجية، وفي ذلك قدمت «الشعب» نموذجا في اللغة السياسية المتزنة التي تشرح دون إثارة، وتحلل دون تهويل، فبالنسبة لمن خاض تجربة حزبية أو نشاطا سياسيا، فقد شكلت الجريدة مرجعا لفهم الخطاب الرسمي، أداة لقراءة التحولات داخل الدولة ومساحة تعكس أولويات المرحلة.. هي لم تكن صوت تيار، بل منبر دولة، وهذا ما يمنحها وزنا في التكوين السياسي الرصين، حيث كانت تساهم في فهم الخلفيات الوطنية للقرارات المحلية وإدراك الترابط بين السياسات المركزية والواقع الميداني ووضع المبادرات المحلية في إطار وطني أوسع وهنا تتحول الجريدة إلى أداة ربط بين المحلي والوطني.
دكتور.. تفضلت بالقول إن «الشعب» ساهمت في تكوين جيل من الطلاب والأكاديميين، والسياسيين، كمدرسة تعاقبت عليها أجيال من الأقلام التي صنعت اسم «الشعب»، وحولتها من جريدة سيارة إلى مدرسة فكر.. حدثنا عن هذه الأقلام وما تحتفظ به في ذاكرتك عنها؟
قيمة جريدة مثل «الشعب» لا تقاس بتاريخ صدورها أو موقعها كمؤسسة عمومية، بل تقاس أيضا بنوعية الأقلام التي مرت عبر صفحاتها، وبالأثر الذي تركته في وعي القراء، فالصحف الكبرى لا تبنى بالحبر وحده، بل بالعقول التي تكتب، وبالمدارس الصحفية والفكرية التي تتشكل داخلها.. على امتداد عقود، احتضنت الجريدة أقلاما صحفية متمرسة وتحليلية عميقة، متشبعة بالثقافة الوطنية، واعية بدور الإعلام في خدمة المصلحة العامة.. هذه الأقلام لم تكن تكتب للضجيج، بل كانت تكتب للتفسير والتأطير وبناء الفهم، وهنا- والدليل أنتم الجيل الجديد من الصحفيين وما لمسته منكم من أداء احترافي- تشكلت داخل «الشعب» مدرسة تقوم على الدقة في المعلومة، رصانة اللغة، احترام عقل القارئ، والربط بين الحدث وسياقه الوطني. من خلال مقالات الرأي والتحليل، تعلم القراء كيف تقرأ القرارات السياسية خارج الانفعال، كيف يفهم الاقتصاد من زاوية وطنية، كيف تربط الأحداث اليومية بالرؤية الاستراتيجية للدولة. وأقولها صراحة وباعتزاز، بعض الكتاب في «الشعب»، لم يكونوا مجرد صحفيين، بل كانوا مربين فكريين يساهمون في تشكيل عقل نقدي منضبط، بعيد عن الشعبوية أو الإثارة، وأرى أنه من خصوصيات الأقلام التي مرت على «الشعب» أنها جاءت من خلفيات متعددة، صحفيون ميدانيون، محللون سياسيون، أكاديميون، مختصون في الاقتصاد ومثقفون وطنيون.. هذا التنوع جعل الجريدة فضاء تتقاطع فيه الخبرة الميدانية مع التحليل الفكري، فكانت المقالات تجمع بين المعلومة، الرؤية والبعد الوطني، والتأثر بهذه الأقلام لا يكون فقط فكريا، بل وجدانيا أيضا، لأن القارئ الذي ينمو وعيه مع صحيفة معينة، يشعر أنها رافقت مراحل دراسته، بدايات انخراطه في العمل الشبابي أو السياسي، وفهمه الأول لمفاهيم والسيادة والتنمية، فتتحول الجريدة إلى جزء من ذاكرته الشخصية، كما هي جزء من ذاكرة الوطن. ألخص ما قلته أن الميزة الكبرى لهذه الأقلام، رغم اختلاف أساليبها، كانت تعمل داخل إطار مهني مشترك يصنع هوية «الشعب» التي لم تكن مرتبطة بشخص واحد، بل بروح تحريرية جماعية تحافظ على الخط الوطني اللغة الرصينة والحس المسؤول، وهذا هو في نظري سر استمرارها رغم تغير الأجيال.
إذا أردنا تلخيص كل ما تفضلت به حول جريدة «الشعب»، يمكن القول إنها تحولت عبر عقود من الزمن، من صحيفة يومية إلى أرشيف وطني موثوق، لتصبح ذاكرة الجزائر المستقلة، ما رأيك في هذه الخلاصة؟
عندما نقول إن جريدة «الشعب» رافقت محطات الجزائر المستقلة، فنحن لا نتحدث عن تغطية إعلامية عابرة، بل عن مرافقة تاريخية لمسار الدولة. وهنا تكمن القيمة الكبرى، حيث تحولت الجريدة – عبر الزمن – من وسيلة إعلام يومية إلى أرشيف وطني حي، يحمل ذاكرة سياسية واقتصادية واجتماعية متكاملة، وثقت مرحلة بناء الدولة الجزائرية بعد الاستقلال، ففي السنوات الأولى للاستقلال، كانت الجزائر تبني مؤسساتها وتؤسس لإدارتها الوطنية وتصوغ خياراتها الاقتصادية والاجتماعية، وقد وثقت «الشعب» هذه المرحلة لحظة بلحظة من الخطابات الرسمية، إلى القوانين، إلى المشاريع الوطنية التوجهات الكبرى للدولة.. اليوم، قراءة أعداد تلك المرحلة تعني قراءة الولادة الفعلية للدولة الجزائرية الحديثة.
كما رافقت جريدة «الشعب» التحولات الاقتصادية الكبرى من تجارب التصنيع، إلى الإصلاحات الاقتصادية، إلى التحولات في نماذج التنمية، وكانت تسجل توجهات الدولة الجزائرية الاقتصادية.. خطابها حول السيادة الإنتاجية، ورؤيتها للتنمية الوطنية، وبهذا أصبحت الجريدة سجلا لتحولات الفكر الاقتصادي للدولة الجزائرية، وهو محرك حقيقي للباحثين في الاقتصاد السياسي، كما وثقت الأزمات والمفاصل التاريخية، فالدول لا تُبنى فقط في فترات الاستقرار، بل تعرف في الأزمات.. «الشعب» كانت حاضرة في الفترات السياسية الحساسة والتحولات الكبرى وفي المراحل المفصلية في تاريخ الجزائر.. الأرشيف الصحفي هنا لا ينقل الحدث فقط، بل ينقل لغة الدولة ونبرتها ورؤيتها في كل مرحلة بخط تحريري ثابت، ما يجعل أرشيفها يقرأ كمصدر موثوق لفهم مسار الجزائر.





