منبر حافظ على التوازن بين الالتزام الوطني والمهنية الصحفية
«أم الجرائد» تكيّف خطابها الإعلامي دون التفريط في هويتها الوطنية ورسالتها الإعلامية
قصصـي المنشـورة بـــــ«أم الجرائـد» نحتـت لي اسمـا أدبيــا عربيـا
«الشعب» لم تكن يومــا معزولـة عــن التحــولات العميقــة في المجتمـع
بمناسبة صدور العدد العشرين ألف من «الشعب»، تستعيد الأديبة والمجاهدة والوزيرة السابقة زهور ونيسي مرحلة مفصلية من تاريخ الجزائر المستقلة، مستحضرة تفاصيل دقيقة من السنوات الأولى التي أعقبت الاستقلال.. وتعود ونيسي في هذا الحوار إلى تجربتها النضالية ومسارها الثقافي والإعلامي، مستوقفة عند علاقتها الخاصة بجريدة «الشعب»، التي رافقت بدايات الدولة الوطنية وشهدت أولى إسهاماتها الصحفية، باعتبارها أول امرأة تكتب في صفحاتها.وبالمناسبة تقدّم شهادة فكرية وتاريخية حول مسار بناء الدولة، والدور الذي اضطلعت به الصحافة المكتوبة في تشكيل الوعي الوطني، كما تقف عند واقع الإعلام اليوم، مقيمة التحديات التي يواجهها في ظل العولمة والتحولات الرقمية المتسارعة.
الشعب: أستاذة زهور.. لنبدأ من البداية. كيف تتذكرين تلك الأيام الأولى بعد الاستقلال، عشية صدور العدد الأول من «الشعب»؟
زهور ونيسي: بداية الاستقلال، كانت لحظة تاريخية معقّدة ومشحونة بكل المعاني، كانت البلاد خارجة لتوّها من حرب تحرير طويلة ودامية، وكان كل شيء تقريبا مختلطا: الفرح بالحرية، والألم على ما خلّفته الحرب، والقلق من المستقبل، جئتُ مع مجاهدات أخريات، وكانت الأوضاع صعبة جدا، ليس فقط من الناحية المعيشية، بل من حيث التنظيم وبناء الدولة. لم تكن هناك مؤسسات واضحة، ولا إدارة مستقرة، لكن بالمقابل كانت هناك إرادة جماعية لبناء وطن من الصفر.
كيف كانت طبيعة هذا العمل؟
أذكر جيدا عملي مع سي السعيد معزوزي الذي تولى لاحقا وزارة العمل والضمان الاجتماعي، هذا الرجل الذي قضى 17 سنة في سجون الاحتلال قبل الثورة، وكانت كاتبته حينها المجاهدة جميلة بوباشا، كنا نحن المجاهدات نمثّل القوة الناعمة والصلبة في آن واحد؛ كنا نجمع الصفوف، ونعمل على تنظيف «قصر الحكومة» من بقايا الكتب المحروقة التي خلفتها همجية منظمة الجيش السري (OAS)، وحتى المكتبة الوطنية التي كانت تعرضت للتخريب، كان الوضع صعبا، لكنه كان مخاضا لولادة وطن.
في تلك الأجواء، برزت أسماء ثقيلة كانت ترسم ملامح الدولة.. كيف كان شكل التفاعل النضالي معهم؟
كانت الاجتماعات لا تتوقف، التقينا بالكومندو عز الدين الذي كان يشرف على العمليات حينها، وعندما تشكلت الحكومة، وبدأت التجمعات. أذكر اجتماعا مع الراحل حسين آيت أحمد، والسي بوعلام أو صديق الذي جاء بقائمة كانت تضم نخبة من المجاهدات؛ كنت أنا، وشامة إبراهيم شاوش، وصفية بن مهدي، وليلى الطيب، ومريم بن ميهوب زرداني، كنا نجلس في فترات الاستراحة نرقب ولادة المؤسسات من رحم المعاناة، وهناك تم اقتراحنا لعضوية المجلس التأسيسي .
كيف تم اختياركِ لعضوية المجلس التأسيسي، ونحن نعلم أنك لم تلتحقي به بعد ذلك؟
استدعانا حسين آيت أحمد إلى مكتبه، وجرى اللقاء كاملا باللغة الفرنسية، وكان حديثه مباشرا وحاسما، إذ أبلغنا بوضوح أننا سنكون أعضاء في المجلس التأسيسي..
خرجت من المكتب وأنا أحمل الخبر بثقله، غير مدركة تماما أبعاده ولا حجم المسؤولية التي وُضعت فجأة على عاتقي.
عدت إلى البيت مثقلة بالحيرة والتساؤلات. ما هو هذا المجلس التأسيسي؟ وكيف لي، وأنا لا أملك سوى شهادة ابتدائية وعملت معلمة في المدارس الحرة، أن أشارك في مؤسسة تشريعية يُفترض بها أن تضع أسس الدولة؟ صحيح أنني كنت قارئة نهمة وذات اهتمام بالشأن العام، غير أن الإحساس بعدم الجاهزية ظل يرافقني، ويجعل الفكرة تبدو أكبر من إمكانياتي وتجربتي.
وكيف حسمت الأمر بعد ذلك؟
في تلك العشية جاءني الشيخ عبد الرحمن شيبان، حيث كنا نسكن في المدرسة بحي المدنية، وجاء معه الشيخ إبراهيم مزهودي، الذي كان مفتشا عاما وممثلا لجمعية العلماء المسلمين، في مؤتمر الصومام.
فقال لي الشيخ مزهودي بوضوح ونبرة لا تحتمل التأويل: «لا تدخلي المجلس التأسيسي الآن، اذهبي للدراسة، فهو أفضل لكِ». كانت نصيحته صادقة ومباشرة، ووجدتُ فيها نوعا من الطمأنينة، كأنها تفتح أمامي أفقا آخر غير ذلك الذي بدا لي أثقل من قدرتي في تلك المرحلة، وتمنحني وقتا لإعداد نفسي لما هو آت.
وبالفعل، فُتحت مسابقة خاصة بالمجاهدين الذين انقطعوا عن الدراسة خلال سنوات الثورة، فاجتزتها بنجاح مع عدد قليل من المجاهدات، من بينهن خديجة خيار.
عندها اخترت مقعد الجامعة بدل مقعد البرلمان، مفضلة الاستثمار في التكوين والمعرفة، في حين دخل الشيخان شيبان ومزهودي المجلس التأسيسي، كلٌّ منهما من موقعه ومساره.
نعود إلى جريدة «الشعب» متى بدأت علاقتكِ بها؟
بعد انقشاع أزمة 1962 وتولي أحمد بن بلة الرئاسة، تقرر تأسيس جريدة «الشعب». قبلها، كنت أكتب في جريدة «الجماهير» التي كان يرأسها الأديب الراحل الطاهر وطار مع ثلة من المثقفين مثل محمد الميلي، وعبد محمد العربي الزبيري، وأبو العيد دودو وغيرهم .
لفتت كتاباتي انتباه مدير «الشعب» (على مفتاحي)، فاستدعاني.. أتذكر أول لقاء معه، أراد اختبار قدراتي الفكرية لا الصحفية فقط، فسألني: «هل يمكننا تصدير الثورة؟». أجبت بتلقائية نابعة من إيمان عميق: «الثورة يصنعها الشعب، وليست سلعة تُصدر».
هذا الجواب التلقائي الصادق هو ما فتح لي أبواب الجريدة، حيث بدأت أنشر «يوميات مدرسة حرة» وقصصا قصيرة استلهمتها من واقع السجون والثورة مثل قصة «فاطمة».
هل أنتِ فعلا أول امرأة كتبت في جريدة الشعب؟
نعم، هذا صحيح.. أنا أول امرأة كتبت في جريدة «الشعب»، بعدي جاءت زينب الميلي بعد عودتها من تونس.. كنا قلّة فعلا، لكن قلّتنا لم تكن ضعفا. كنا نكتب بإيمان عميق بأن الكلمة موقف، وبأن الصحافة مسؤولية تاريخية ونضال هادئ من أجل الوعي والحرية.
كيف كان المشهد الثقافي والإعلامي آنذاك؟
كانت اللغة الفرنسية آنذاك مهيمنة على مجالات الإعلام والثقافة والإدارة، إلى حدّ أن الكتابة بالعربية بدت وكأنها فعل مقاومة أكثر منها خيارا لغويا.. لم يكن عدد الكتّاب الذين يجيدون التعبير الصحفي بالعربية كبيرا، وكانت المساحة المتاحة لهم محدودة، في ظل واقع ثقافي يحصرها في أدوار هامشية.
في هذا السياق، لعبت «الشعب» دورا محوريا في إعادة الاعتبار للغة العربية، إذ أسهمت في تكوين نخبة صحفية وفكرية اختارت العربية أداة للتعبير والتحليل وبناء الرأي العام.
كانت «الشعب» مدرسة حقيقية، خرّجت أقلاما واعية، وساهمت في كسر الاحتكار اللغوي، وربطت بين اللغة والهوية والسيادة الثقافية.
وكيف استمر مسارك الصحفي بعد جريدة «الشعب»؟
بدأت مسيرتي الصحفية بكتابة مقالاتي في مجلة «الجيش» سنة 1963، حيث شكلت تلك التجربة الأولى منصة لاكتساب الخبرة وتكوين رؤية واضحة حول دور الإعلام في بناء الدولة والمجتمع. ثم توليت رئاسة مجلة «الجزائرية» سنة 1966، وبقيت أدير تحريرها لمدة اثني عشر عاما، فترة امتدت خلالها الجهود لتطوير المحتوى وتعزيز الرسالة الوطنية للمجلة.
حرصت خلال هذه الفترة على تحقيق التوازن والعدالة اللغوية بين العربية والفرنسية، إيمانا مني بأن اللغة الوطنية هي أداة للهوية والتعبير عن الثقافة والذاكرة الجماعية.
كنت أؤمن بأن العربية يجب أن تكون في مستوى يوازي اللغات الحية الكبرى، سواء في مستوى العمق الفكري أو القدرة على التعبير عن القضايا الوطنية المعقدة، بما يضمن للقارئ فرصة الوصول إلى المعرفة والفكر من خلال لغته الأم دون أي نقص أو تهميش.
وقد تجسدت هذه الرؤية في كل صفحات المجلة، من اختيار الموضوعات إلى طريقة العرض والتحليل، ما ساهم في ترسيخ احترام اللغة العربية وتعزيز مكانتها في المشهد الإعلامي الجزائري. وهكذا، كانت السنوات التي قضيتها في مجلة الجزائرية مرحلة لصياغة نموذج إعلامي متوازن يربط بين المهنية والهوية الوطنية والعدالة اللغوية.
قصة «رصيف النائم» التي نشرتها لأول مرة بجريدة «الشعب» كانت بمثابة شهادة ميلادك كأديبة كبيرة.. كيف حدث ذلك؟
كان ذلك بمحض الصدفة، أو لعلّه من تدبير القدر، ففي نهاية ستينيات القرن الماضي، وجدتُ نفسي أرافق وفدا مصريا ضمّ الدكتورة سهير القلماوي، تلك السيدة الأرستقراطية الرفيعة الثقافة تلميذة الدكتور طه حسين، التي كانت تجمع بين سعة الاطلاع وحضور فكري لافت.
كان الاحتكاك بها تجربة ثرية بحد ذاته، لما كانت تمثله من رمز للنهضة الثقافية العربية آنذاك.
دخلت عندها في فندق «السفير» بوسط العاصمة، وفي لحظة عابرة لكنها عالقة في الذاكرة، رأيتها تمسك جريدة «الشعب» بحجمها الكبير القديم، وتطالع صفحاتها باهتمام. التفتت إليّ وسألتني عن القصص التي كنت قد نشرتها فيها، ففاجأني السؤال بقدر ما أسعدني، إذ أدركت حينها أن ما كُتب في تلك الصفحات كان يعبر الحدود، ويصل إلى قرّاء ومثقفين من خارج الوطن، في زمن كانت فيه الكلمة المطبوعة تحمل وزنا وتأثيرا خاصين.
أعجبت بها وأخذت معها إلى القاهرة.. 12 قصة سلمتها لها، وكانت تدير الدار القومية للنشر. هناك، نشرت كتاب «رصيف النائم»، وقرأ منه الأستاذ أحمد سعيد (مدير صوت العرب) قصة «فاطمة»، وحولها إلى مسلسل إذاعي استمر شهرا كاملا، وهكذا، بدأت قصصي من «الشعب» لتصل إلى وجدان العالم العربي.
نعود مرة أخرى إلى مجلة «الجزائرية» التي استمرت طويلا في الصدور، ما سر ذلك؟
كنا مقاتلين بالحرف، في مجلة «الجزائرية» التي ترأستها لـ 12 سنة، كنت أصر على المساواة بين العربية والفرنسية في الصفحات، رغم انتقادات البعض، كنت أريد إثبات أن لغتنا الوطنية ليست أقل شأنا. استعنت بطالباتي في الجامعة، ومنهن أحلام مستغانمي التي نشرتُ لها أولى قصائدها، ونعيمة ماجر، ونفيسة لحرش، وإنعام بيوض، كنا نعمل في ظروف بدائية، أحيانا نفهرس الأعداد في الحديقة لعدم وجود مكاتب، ونعمل حتى الثالثة صباحا في جهاد أكبر لتأسيس صحافة وطنية حقيقية.
متى توقفتِ عن العمل الصحفي؟
عندما انتقلت من العمل الصحفي إلى الساحة السياسية، حيث تم تعييني كاتبة دولة للشؤون الاجتماعية ثم وزيرة للشؤون الاجتماعية فوزيرة للتربية الوطنية، تغيّر مسار حياتي المهنية بشكل جذري.
ففي سنة 1982، غادرت مجلة «الجزائرية» بعد سنوات طويلة قضيتها في تحريرها وتطويرها، لتفتح أمامي آفاق جديدة في خدمة الوطن من مواقع المسؤولية العامة. مهامي كوزيرة شكّلت تحديا جديدا ومسؤولية ضخمة، إذ تطلب مني الانخراط الكامل في العمل التنفيذي واتخاذ القرارات ذات الأثر المباشر على المجتمع والدولة.
هذا الانتقال إلى الحكومة فرض عليّ التوقف عن الكتابة المنتظمة في الصحف والمجلات، إذ لم يعد الوقت يسمح بالالتزام بالتحرير اليومي أو بالمقالات المستمرة، لكن شغفي بالكلمة والإعلام ظل حاضرا في خلفية عملي، مؤكدا على أن الخبرة الصحفية التي اكتسبتها كانت أداة قيمة في صياغة السياسات وتقديم المبادرات بطريقة واضحة ومؤثرة.
وبالرغم من هذا التوقف عن الكتابة المنتظمة، بقيت دائما متيقظا لدور الإعلام في نقل الحقيقة وتوجيه الرأي العام، مؤمنا بأن التجربة السياسية يمكن أن تثري الرؤية الإعلامية، وأن الجمع بين الخبرة الصحفية والمسؤولية الحكومية يخلق منظورا أكثر عمقا لفهم تطورات الوطن ومواجهة تحدياته.
يُسجل التاريخ لكِ قرارا «ثوريا» بخصوص ثانوية «ديكارت». ما الذي حدث خلف الستار؟
ثانوية «ديكارت» كانت رمزا لاستمرار المنظومة الاستعمارية داخل الدولة المستقلة؛ كان يدرس فيها أبناء الجالية الفرنسية وأبناء بعض المسؤولين الجزائريين الذين لا يؤمنون بالمدرسة الوطنية. عندما وصلني تقرير المفتشين بأنهم لا يملكون حق الدخول إليها، وأن مادة التاريخ الجزائري «خارج المنهج»، اتخذت قراري بمراسلة السلطات العليا للبلاد حيث تم تحويل اسمها إلى ثانوية الشيخ بوعمامة.
واجهت ضغوطا وعاصفة إعلامية هوجاء، واتهموني اتهامات باطلة، لكنني قدمت قراءة شجاعة لرئيس الجمهورية وتم تنفيذ القرار، لأن السيادة الوطنية تبدأ من المدرسة.
كيف تنظرين اليوم إلى جريدة الشعب بعد أكثر من ستين عاما من صدورها؟
^^ أرى أن جريدة الشعب لم تكن يوما معزولة عن التحولات العميقة التي عرفها المجتمع الجزائري، حيث رافقت هذه التحولات خطوة بخطوة، وتفاعلت مع رهاناتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، محافظة على خط تحريري يعكس انشغالات الرأي العام الوطني ويستحضر البعد التاريخي للدولة الجزائرية، فقد استطاعت، رغم محدودية الإمكانيات، أن تواكب تطور الوعي المجتمعي، وأن تكيّف خطابها الإعلامي مع متطلبات كل مرحلة، دون التفريط في هويتها الوطنية ورسالتها الإعلامية.
ولو توفرت آنذاك لجريدة «الشعب» الإمكانات المادية والتقنية والبشرية الكاملة، لكانت بلا شك من بين أفضل الجرائد العربية، ليس فقط من حيث الانتشار، وإنما أيضا من حيث التأثير وصناعة الرأي العام، فالجريدة تزخر برصيد بشري وفكري كبير، يضم صحفيين ذوي تجربة طويلة وكفاءات شابة تحمل رؤى حديثة وأدوات مهنية متطورة، ما يشكل مزيجا قادرا على إنتاج محتوى إعلامي نوعي ومؤثر.
غير أن هذا الرصيد، على أهميته، يظل في حاجة إلى دعم مستدام، يترجم إلى استثمارات في التكوين، والتجهيز، والتحول الرقمي، وتحديث آليات التسيير، ومن هذا المنطلق، فإن تمكين «الشعب» من وسائل العمل الحديثة سيجعلها أكثر قدرة على أداء دورها الوطني، وعلى أداء مكانتها الطبيعية كمنبر إعلامي مؤثر في الفضاءين الوطني والعربي.
كيف ترين مستقبل الصحافة المكتوبة في ظل العولمة والرقمنة؟
نحن اليوم أمام حرب حقيقية بكل المقاييس، حرب لا تُخاض بالسلاح التقليدي، بل بالكلمة والصورة والمعلومة، حيث تتشابك الفوضى المعلوماتية مع التيه المعرفي، في ظل رقمنة متوحشة لا تعترف بالقيم المهنية ولا بالمسؤولية الأخلاقية، فقد أفرز هذا الواقع تدفقا هائلا للمعلومات غير الموثوقة، وساهم في تشويش الوعي العام، وضرب المرجعيات الفكرية، وإضعاف الثقة في الإعلام الجاد، مقابل صعود منصات سريعة تلهث وراء الإثارة والسبق الزائف.
وأمام هذا المشهد المعقّد، يصبح الصمود ضرورة مهنية وأخلاقية، والصبر خيارا استراتيجيا، والتحدي فعلا يوميا لا مفر منه، فالإعلام المسؤول لم يعد مطالبا فقط بنقل الخبر، حيث يتجاوزه إلى حمايته من التزييف، وتأطيره بالتحليل الرصين، وربطه بسياقه الوطني والتاريخي. وهنا يبرز دور «الشعب» كمنبر حافظ، عبر عقود، على التوازن بين الالتزام الوطني والمهنية الصحفية، رغم قسوة الظروف وتقلّب السياقات.
لقد خرّجت جريدة الشعب أجيالا من الكتّاب والصحفيين والأدباء، الذين شكّلوا جزءا من الذاكرة الثقافية والإعلامية الجزائرية، وأسهموا في ترسيخ مدرسة صحفية قائمة على العمق والتحليل واللغة المسؤولة، وهذا الإرث البشري والفكري هو رصيدها الحقيقي، وسلاحها الأهم في مواجهة هذه الحرب الناعمة، ودليل على قدرتها، على الاستمرار والصمود والتجدد.







