كنت تسير في الرواق الطويل.. تتلوى في مشيك كالحية المذعورة تنطلق كالسهم؛ تنطلق كالسهم؛ ولما تصل إلى فتحة كل شارع مقاطع للرئيسي، تدخل الرواق من جديد.. التصق قميصك الداكن على ظهرك.. تبلل شعرك الأشعث، تلاحقت أنفاسك الساخنة، احتـرت في الاتجاه.. وقفت برهة تتأمل الأكوام البشرية المتدفقة.. تمنيت لو أن الناس كانوا يسيرون في نفس اتجاهك حتى يسهل عليك الانزلاق.. كنت تتفرس وجوه المارة.. كأنك تقرأ تقاسيم الوجوه، ما وراء الوجوه.. تشمئر أحيانا حين تسمع القهقهات، لكن الأكوام البشرية تمنع سيرك.. يزداد تدفقها.. و أنت تقاوم.. تقاوم.. مصر على الوصول.. التيار الجارف يزداد تقدما، يكثر انعراجك، حتى تكاد ترسم دائرة.. لا يهم الاتجاه.. الهدف هو الوصول.. غبت عن نظري لحظات، ثم لمحتك من بعيد تدخل إحدى المقاهي.. بقيت في دوامة من التساؤلات.. قبالتي كانت طفلتان تمسكان حبلا من طرفيه.. علامات الاستفهام تزداد كبرا.. نبهني صراخ الناس: – لحظتها كانت إحدى البنتين تهوى على الأرض –
اقبضوه ،، اقبضوه
طفل يحاول الهروب.. فيسد عليه الناس الطريق.. و يزداد التجمع.. الطفل يفتش عن مسلك.. اضطرب في جريه، و بدلا من أن يسلك المنعطف القريب ولج أحد الدكاكين.
نظرت إلى الطفلة، ما زالت ملقاة على الأرض: لعل تأثير الاصطدام كان قويا.. الكبرى تنظر إليها بازدراء تقول :
– لا تحاولي مرة ثانية فأنا أقوى
لم تغب عن نظري طويلا.. في المقهى كنت تجلس.. تتحسس جيبك.. عيناك زائغتان، تمتص سيجارتك.. تنفث دخانها بعصبية.. أخذت مكانا في الزاوية أراقب من خلاله حركاتك بدقة.هكذا كنت تتصرف دائما حين تكون مشغول البال، تكثر من التدخين وشرب القهوة، تفضل الانزواء.. تكره مقابلة أعز الأصدقاء إليك، وحرصا على ما بيننا من مودة، لم أحيّك كالعادة.. أخرجت من جيب سترتك الأيسر صورة فوتوغرافية، تأملتها للحظات طويلة دون أن يظهر على وجهك أثر للقلق، اكتفيت بإرسال تنهيدة هادئة كأنها قبلة استسماح مهداة إلى من في الصورة، من يراك على هاته الحالة يظنك شاباً متيماً في حب فتاة ، وأنك الآن تأسف لفراقها؛ ولكن من يزور غرفتك الوحيدة الموجودة في القصبة يغير فكرته بسرعة.. عندما يصطدم برائحة المواد الكيماوية المختلفة، يزداد إعجابا عندما يراك تلهو بالأسلاك الكهربائية، فتضع الأزرق مكان الأخضر ثم سرعان ما تضع الأصفر و تنزع الأزرق، و تسجل ملاحظاتك في هدوء على كراسك الصغير ، غير آبه بمرور الوقت.. لا تشعر بالتعب إلا عندما تأتيك صاحبة البيت وتهددك بالزيادة في الإيجار إذا تماديت في الشهر، أرجعت الصورة إلى مكانها دون التفات، ولو رفعت بصرك قليلا لرأيت أعز أصدقائك يراقبك في هدوء، لكنك تململت في مكانك وأشعلت سيجارة جديدة، امتدت يدك إلى الفنجان تريد رشفة فوجدته فارغا، تقززت وأشرت إلى النادل بأن يأتيك بأخرى، فهمت منها أنك تريدها قوية، كأن الأولى لم تخدر أعصابك المتوترة.. وضعت السيجارة على حافة المطفأة.. امتدت يدك إلى محفظتك السوداء.. جذبت منها «المبشر» نزعت منه أوراقاً بيضاء ورحت تسطر رسالة مطولة تمنيت أن أقرأ كل حرف تخطه، لكني خشيت أن أقطع عنك حبل التفكير، إن لم أخطئ الظن فالرسالة موجهة إلى مصلحة السكن المدرسي كمثيلاتها، و إنك الآن بعدما انتهيت من العبارات المعسولة بدأت تشرح وضعيتك الخاصة وما تعانيه من تمزق، هذا إن لم تكن موجهة إلى قسم المنح الخارجية تطلب منه منحة لإتمام الدراسة بعدما انتظرت طويلاً تعريب الفروع العلمية بدون جدوى، تخصّصك في الجغرافية التقنية ما هو إلا تقرب من الفروع العلمية التي تستهويك وسد للفراغ – جذبت نفساً طويلا ووضعت السيجارة من جديد على حافة المطفأة.. نظرت ملياً في أوراقك المسودة كأنك تلقي عليها نظرة الوداع، ارتسمت على شفتيك ابتسامة ساخرة.. طويت الرسالة وأنت تهز رأسك، كأنك طويت صفحات من حياتك كنت تعلق عليها آمالا كبيرة. قمت من مكاني.. اقتربت منك، كأني داخل للتو إلى المقهى.. صافحتك كالعادة لكنك استقبلتني ببرودة، لم أبال بطريقة استقبالك اكتفيت بالعبارات المألوفة، وقبل أن أستطرد في التساؤل بادرتني بقولك:
– لقد تم كل شيء
– هل وجدت سكنا؟
– لا –
هل حصلت على …
– لا
أخرجت من جيبك رسالة بسطتها أمامي سقطت معها صورة فوتوغرافية لعائلة: فتاتان وأربعة أولاد حفاة وشبه عرايا، وشيخ طاعن في السن. قرأت رسالة والدك المريض.. تأثرت لإلحاحه الشديد وتوسلاته المتكررة حتى تكون بجانبه في تلك القرية النائية.
أخرستني المفاجأة ورحت أفتش عن عبارات للمجاملة، لكنك قلت لي في هدوء:
«مستقبل واحد أهون من مستقبل ثمانية»
في تلك اللحظة خفت النغمات الموسيقية لتترك المجال لصوت المطربة:
«خليك هنا خليك
خليك هنا.. بلاش تفارق.. »
– تمت –





