لقد آن الأوان، بعد أن مضت سنتان على إنشاء جريدة «الشعب» الغراء، أن نتحدث قليلا عن تجربة قامت بها هذه الجريدة الميمونة في ميدان الثقافة عامة والأدب خاصة. ولعلَّــها من الصدف السعيدة أن نلاحظ بأن جريدة الشعب قد فسحت المجال واسعا أمام الأقلام الجديدة و(القديمة) وأن العدد الأول منهـا، كان يحوي على مادة غزيرة في الأدب. وإن دلّ هذا على شيء، فإنما يدل على أن الجريدة قد أولت اهتماما كبيرا للحياة الثقافية في البلاد، وأنها عازمة على أن تساهم مساهمة كبرى في النهوض بها، علما منها بأن الثقافة ركن أساسي في حياة دولتنا الفتية. لقد آن الأوان لكي نتحدث عن هذه التجربة، لا من حيث محاسنها فقط، ولكن من حيث النقائص التي يرجى تفاديها، ومن حيث المشاريع التي يمـكـن أن تتحقق في المستقبل. إن هذه التجربة الثقافية تتلخص في ترجمة الآثار الأدبية المكتوبة باللغة الفرنسية، ونعيد إلى الأذهان القراء، أن الجريدة كانت قد نشرت القصص التالية:
1 – رصيف الأزهار لم يعد يجيب، لمالك حداد.
2 – أبناء اليوم، لآسيا جبار.
3 – الصاعدون إلى الجبال، لمراد بوربون.
4 – صمت الرماد، لقدور محمد محمصاجي.
5 – الوداع الأخير، لمالك حداد.
وهي الآن بصدد نشر قصة لفقيد الأدب الجزائري مولود فرعون، وقد تولى ترجمة كل هذه القصص إلى العربية الأخ حنفي بن عيسى الأستاذ بالمدرسة العليـا للترجمة.
وبالإضافة إلى هذه القصص الطويلـة، نشرت عدة قصص أخرى قصيرة، ومقالات ودراسات في الأدب الجزائري الحديث، نذكر منها خاصة دراسة الأستاذ الركيبي القيمة.
كان القصد من نشر هذه القصص وترجمتها إلى لسان الضاد هو تعريف قراء العربية بلون من الأدب الجزائري مكتوب باللغة الفرنسية.
ولعله من المفيد أن نشير هنا إلى أن الجريدة قد تبنت مذهب الالتزام بالنسبة للأدب، وذلك تمشيا مع الثورة الجزائرية التي فجرت الإمكانيات، وفتحت الطاقات وسمحت للعبقريات الخامـلة بالظهور.
وكما أن اللهيب المقدس الذي اندلع في فاتح نوفمبر قد أيقظ الهمم الراكدة، وبعث القوى الكامنة، وأتاح للألسنة المعقـودة من أن تنطلق، فكذلك يجب على الكتاب والمفكرين أن يضعوا إمكانياتهم في خدمة تلك الثورة التي لولاها ما كان ليذاع لهم صيت. ومن هنا، فإن الأدب الذي تدعو له الجريدة وتشجع عليه، هو الأدب الملتزم، أي التزام الأديب تجاه قضيـة بلاده، تجاه المليون شهيد ونصف المليون من الأرامل، تجاه كد العمال وعرق جبينهم، تجاه الذكريات الأليمة والتجارب القاسية، وعـناقات الأبطال في الشعاب والجبال، وتجاه الآمال السعيدة في حياة حرة كريمة.
وما من شك في أن القصص التي اختارتها الجريدة لنشرها (ملتزمة) بالمفهوم الذي ذكرناه، وأنها تعطي صورة واضحة عن هذا اللون من الأدب الجزائري.
ونضيف إلى هــــذا أن الجريدة تعمـــل على إنارة اهتمام القراء، ببعض من الفنون الأدبية مثل القصة ، بنوعيهــــا : الــرواية والأقصوصة ، فلم يعد هذا الفن مجهــــولا في أطراف العالم العــربي ، بل كثر الإنتاج في هذا الميدان إلى درجة تكاد تبلغ الإشباع، أما في الجزائر ، فلا تزال اهتمامات القراء منصرفة إلى المقالة والقصيدة، وقلما نجد من يتتبع الإنتاج في ميدان القصة.
إن نشر القصص المسلسلة عادة درجت عليهــــا أغلب الجرائد العالمية، ولعل جريدة «الشـــعب» من أوائل الجرائد التي حذت حذوها في العالم العربي.
ولابد من الاعتراف بأن القصة المسلسلة تبعث الملل في بعض الأحيان، لأنها لا تحمل طابع التنوع، ولأنها تلح على القارئ، كل صباح، تلح عليه في عناد يبعث على الملل بصورة طبيعية، أضف إلى هذا أن الأخطاء المطبعية المتكررة ليس من شأنها أن ترغبه في متابعة القراءة إلى النهاية.
وإذا أمكن تلافى هـــذه الأخطاء، فإن القصة المسلسلة ســــتكون خير أداة لتسلية القراء، وتعريفهم بمختلف الآداب العالمية.
وهنا نأتي إلى مشروع ستعمل الجريدة على تحقيقه إن شاء الله، وقد عزمت على أن تتجاوز في اهتماماتها الأدبية حدود الوطن، لتنقل إلى العالم، وخاصة العالم العربي، إفريقيا الدول الصديقة، لتنقل من تلك البلدان خير ما عندها من الإنتاج الأدبي، وبذلك سنلتقي بكبار الكتاب من الشرق والغرب، لننقل روائعهم الأدبية إلى لسان الضاد، حتى يستفيد منها قراء العربية.
12 ديسمبر 1964






