إذا أقبلت جريدة الشعب المناضلة هذه الأيام على تدشين مقرها الجديد وتجهيزاتها الحديثة، ومن تدخل تشغل عامها الرابع والعشرين فقد سبق لها أن دشنت عهد الاستقلال واسترجاع الحرية والكرامة يوم خروجها إلى القراء في 11 ديسمبر 1962، كما دشنت عهد الكفاح والنضال من أجل بناء الوطن وتشييده على أسس متينة صادقة من العدالة والحرية والديمقراطية.
وقد ساهمت بحظ وفير في مختلف العمليات الوطنية الكبرى سواء بالإعلام الصادق المخلص، أو بنشر المعلومات والوثائق وإيصالها إلى جميع المعنيين حيثما كانوا، إذ تعهدت نشر دروس تكوين المعلمين طوال الفترة التي تجندت فيها نخبة الشباب المتعلم للتعليم وتشييد المدرسة الجزائرية الحديثة، كما كانت السباقة دوما إلى نشر مختلف الوثائق الوطنية الكبرى.
وإذا كانت السنوات الأولى للاستقلال من أصعب الفترات وأعقدها بسبب ما حملته من مخلفات الاستعمار المتراكمة في الذهنيات والعادات والإجراءات والمخططات، فإن جريدة الشعب كانت قلعة تجمع المناضلين الواعين الذين هبوا لكشف تلك المخلفات وتوضيح الطريق الوطني السليم الصريح الذي يجب أن تسير فيه الجزائر ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً.
لقد ظل كتاب الشعب مرتبطين ارتباطاً شديداً بالثورة، وظلت أقلامهم تستمد مدادها من مواثيق الثورة المكتوبة والمعهودة في ضمائر المجاهدين والمناضلين والجماهير الشعبية التواقة، وظلت تفضح كل محاولات المسخ والتغيير الانحرافي لغايات كفاح الشعب الجزائري المتمسك بأصالته المنفتحة وبأزهى عصوره المنتجة ثقافياً وحضارياً، كما ظلت توضح تلك الغايات النبيلة المشرفة وتعمل بجد واجتهاد على ترسيخ القطيعة مع العهد الاستعماري بجميع أشكاله وصوره ومآرباته وشعاراته المعسولة.
وقد جمعت جريدة الشعب في أرقى أيامها خيرة المثقفين بالعربية، ممن أنتجتهم جبهة التحرير الوطني تجمعوا للدفاع عن استقلال الجزائر الحقيقي في الثقافة والاقتصاد وفي سلم القيم وطرق ممارسة الحياة، وما عرفت – طيلة عملي في «الشعب» مسؤولاً عن القسم الثقافي أو مسؤولاً عن الجريدة كمديرها – ما عرفت من العاملين فيها من كانت تربطهم بها الوظيفة ولقمة العيش وحدهما، وإنما كان كل الذين عرفتهم – سواء في قسم التحرير أو في الأقسام الفنية المختلفة – تربطهم بجريدتها مبادئ النضال والصمود والتحدي قبل كل شيء،
ولشدّ ما دهشت في أحد الأيام وأنا مدير للجريدة، وكانت يومذاك أجور العمال تدفع من منحة تأتي شهريا من وزارة الإعلام والثقافة – عندما جمعت العمال لأبلغهم بأن منحة الوزارة لم تأت ولعلها لن تأتي إلا بعد ثلاثة الشهر – وكنّا يومها في شهر نوفمبر، وما علينا إلا أن نصمد وأن نحسن من الإنتاج وان نخرج الجريدة مبكراً عند منتصف الليل حتى لا نعطي الحجة لمصالح التوزيع التي تبرر عجزها بالتأخر في صدور جريدة الشعب.. لشدّ ما دهشت وابتهجت عندما كان قرار الجماعة الإصرار – مع التذمر طبعا – على الصمود ومواصلة الكفاح ولو أدى ذلك إلى الموت جوعاً،
وقد لاقت جريدة الشعب في سبيل صدورها ونضالها من التأييد والدعم والتضامن بقدر ما لاقته من المقاومة والحرب النفسية والمادية، وما ومحاولات التهميش والحصر وسوء التوزيع إلخ.. وما السكوت الطويل على الظروف المادية السيئة لعمالها وصحفييها وعلى وضعيات تجهيزاتها العتيقة التي تعود إلى السنوات الأولى من هذا القرن، إلا ضرب من مقاومة صوت (الشعب) الذي يلح على القطيعة التامة مع كل آثار الاستعمار، ويدعو إلى الكفاح من أجل البناء الذاتي القائم على المجهود الخلاق لأبناء الشعب الجزائري المناضل البطل.
هناك فرق واضح جدا بين استيراد مظاهر التقادم وبين خلق أسبابه، و لم يكن مناهضو جريدة الشعب المسؤولون عن الاستيراد ليرضوا عنها وهي تقاوم أساليبهم وتدعوهم إلى الجد والعمل على الخلق والإبداع، ولكن المناضل المخلص لا ييأس، وها هي اليوم جريدتنا المناضلة تكسب شيئاً بفضل صمودها وصمود المناضلين المخلصين، وإذا كنا حتى اليوم لا نكاد نقرأ أكثر من ستة أو عشر ما تنشر بسبب سوء المتابعة وطمس الحروف والأفكار، فإن أملنا كبير جدا في أن تستعيد بهذا المقر الجديد وبهذه العدة الجديدة العصرية المتقدمة شبابها، وان تشمر من جديد على ساعد الجد لكي تواصل الكفاح الشاق في سبيل نصرة الشعب ونصرة مبادئه وغاياته، وان تكون ملتقى لخير أبنائه من المثقفين والمناضلين منهم بصفة خاصة.






