عرفته في معهد العلوم الاجتماعية بالخروبة طالبا يعمل في صمت، ودارسا يبذل جهودا متواصلة من أجل امتلاك أدوات البحث في ميدان تخصصه، وصفه أساتذته بالنبوغ والجدية، وشهد له زملاؤه وعارفوه بالتفوق وسعة الاطلاع.. قدم من مدينة الجلفة بعد أن أكمل دراسته في ثانويتها، وتخرج من قسم الفلسفة بجامعة الجزائر، فحصل على شهادة الليسانس وحاليا يقوم بتحضير شهادة «الماجستير» تحت إشراف الأستاذ عبد المجيد مزيان ثم الأستاذ أبو عمران الشيخ. ذلك هو الشاب عبد الباقي هزرشي الذي أعد هذه السنة بحثا جديرا بالتقدير، عنوانه: «البنيوية بين الرؤية الايديولوجية والمنظار العلمي» أو «نحو إشكالية القراءة المنهجية للبنيوية»، ويتضمن فصولا عن هذا الموضوع ترجمت لأول مرة إلى اللغة العربية ورائده في ذلك تقديم خدمة لزملائه الطلبة – في حدود إمكانياته – بوضع لوحة موضوعية عن الاتجاه البنيوي في مستوى دلالته الإيديولوجية وممارساته المنهجية، على حد تعبيره.وتجسيدا لهذا السلوك الثقافي النموذجي، ألقى منذ أسابيع محاضرة عن البحث البنيوي تابعها طلبة المعهد باهتمام كبير وعقب المحاضرة كان لي معه موعد لإجراء هذا الحديث حول مشروع بحثه.
ما هي الأسباب التي دفعتك إلى اختيار البنيوية موضوعا لبحثك؟
في الحقيقة مشروع البنيوية لم يكن بالنسبة لي سوى نوع من التدريب المنهجي، أما مشروع رسالتي فيتركز على الفكر العربي المعاصر، وعنوانه: «إشكاليات وعي التاريخ وتاريخ الوعي في الفكر العربي الحديث»، إذًا، فمشروع البنيوية كان بمثابة تدريب منهجي من جهة، ومن جهة ثانية محاولة لتقديم بعض المعطيات المعرفية للطلبة على وجه الخصوص.
طبعا كانت هناك عدة أسباب وراء اختيار هذا البحث، من بينها أن الاتجاه البنيوي، من الاتجاهات الفكرية المعاصرة التي لا تزال تخفي الكثير من الإشكاليات على مستوى الدراسات الاجتماعية والطبيعية، على هذا الأساس تناولت البنيوية كظاهرة فكرية ترتبط بالأبعاد الاجتماعية والسياسية والمنهجية.
من خلال تتبعك لتطور الدراسات البنيوية من الزاوية التاريخية، ما هي الاتجاهات أو المدارس التي ظهرت على المستوى اللغوي في هذا المجال؟
أعطيت لوحة تاريخية في البداية، حيث ركزت على جهود العالم «دي سوسير» باعتباره رائد علم اللغة البنيوي أو اللسانيات البنيوية مع التعرض لكل المدارس التي تفرعت عن مباحثه، وخاصة الحلقة اللغوية لـ»براغ»، بعد دراسات «جاكوبسون» و «تروبيتسكوي» حيث ركزت هذه المدرسة على الصوتيات البنيوية، والدراسات الفنية خاصة الموروث الشعبي أو الفلكلور، أما المدرسة الثانية فهي حلقة كوبنهاغن التي حاول زعيمها «يلمسليف» أن يضع أسساً منطقية رياضية للبنيوية في الدراسات اللغوية.. إلى جانب هاتين الحلقتين يمكن أن نشير إلى الاتجاه البنيوي في أمريكا، حيث نجد أسماء كثيرة على رأسها الباحث اللغوي الانتربولوجي «سابير» إلى جانب «ورف» ومحاولات العالم اللغوي «شومسكي» وإن كان هو نفسه لا يعد نفسه بنيوياً.
كيف تناولت في بحثك الجانب النقدي والجمالي للبنيوية بالنظر إلى الدور الكبير الذي لعبه هذا الجانب في الدراسات الأدبية المعاصرة؟
في هذا المنظور، حاولت أن أتعرف على مجموعة المساهمات التي أرادت أن تشخص النص – سواء كان شعراً أم نثراً – وتكشف عن القوانين الداخلية التي تحكم عناصر هذا النص مع الأخذ بعين الاعتبار الإشكالات التي تثيرها الدراسات البنيوية في التحليل الأدبي، بحيث يقول بعض الدارسين بعدم إمكانية التحليل البنيوي في دراسة الأدب؛ لأن النظرة البنيوية نظرة علمية دقيقة. ويمكن تصنيف هذه المساهمات في اتجاهين: أولهما هو ما يسمى «البنيوية التكوينية» ويتزعمه عالم الاجتماع والفيلسوف «لوسيان غولدمان» الذي له دراسات في علم الاجتماع الأدبي حاول فيها أن يوفق بين مدرستين متعارضتين هما مدرسة التحليل النفسي والمدرسة الماركسية، أما الاتجاه الثاني فهو النشاط البنيوي عند «رولان بارت»، وفي الحقيقة لا يمكن اعتبار «بارت» باحثاً بنيوياً؛ لأن التحليل البنيوي الذي يعتمد عليه، يمثل فقط مرحلة معينة في حياته، والبنيوية في نظره ليست مدرسة ولا اتجاهاً فكرياً لأن الذين يعتمدون البحوث البنيوية لم يتفقوا – في نظره – على وصفه بنيوية، والنشاط البنيوي في نظره هو مجموعة تقنيات نستخدمها في فهم القوانين أو الوحدات التي تؤلف النص الكتابي.
تعرضت البنيوية لانتقادات كثيرة على شتى المستويات، وما زلنا نطالع حتى الآن مداخلات مختلفة بشأنها، فهل يمكنك أن تلخص لنا أهم المواقف التي ظهرت حتى الآن تجاه البنيوية؟
هناك ثلاثة مواقف للباحثين تجاه البنيوية.. الموقف الأول: هو موقف مؤيد، خاصة «بنيوا» و «اوزياس»، فهؤلاء يعتبرون البحث البنيوي ثورة معرفية، استطاعت أن تحرر البحوث الاجتماعية والطبيعية من كل الخلفيات الأيديولوجية.. الموقف الثاني: معتدل، ويمثله الذين يرفضون البنيوية باعتبارها أيديولوجية ترتبط بوضعيات سياسية في المجتمع الغربي، ويستبقون الطريقة البنيوية باعتبارها منهجاً علمياً ضرورياً، ومن هؤلاء «غارودي».. الموقف الثالث: هو ما يسمى بأنصار النقد الأيديولوجي، وهم الذين يرفضون البنيوية بوصفها محطة أيديولوجية ترتبط بالصراع السياسي في العالم، وبوصفها مذهباً يدعو إلى سياسة الأمر الواقع، وأكثر ناقد في هذا الموقف الفرنسي «هنري لوفيفير».
ما رأيك في محاولات النقد البنيوي في العالم العربي؟
هناك محاولات قليلة في العالم العربي، يقتصر دورها على فهم الظاهرة الفكرية من خلال أطرها الاجتماعية والسياسية والتاريخية، وكذلك محاولة فهم البنيوية في إطار شمولي من جوانبها، ومحاولة الفرز بين الإطار المنهجي والإطار الأيديولوجي للبنيوية، وفهم إشكالية المثقفين العرب في تعاملهم مع المذاهب والمناهج المستوحاة من مجتمعات أخرى.
سؤال أخير، هل سبق لك أن كتبت في مجالات أخرى، أو لديك أعمال قيد الإنجاز؟
في البدء بدأت بعض المحاولات الشعرية ثم تخليت عنها، أما الآن فإنني مهتم بأعمال الترجمة، فلدي بعض الأعمال المترجمة تدور محاورها حول الدراسات الفلسفية والتربوية وعلم اللغة وعلم الأحياء.
ومن هذه الدراسات يمكنني أن أذكر: «المعرفة الموضوعية» للفيلسوف كارل بوبر، و»تاريخ الفلسفة الأمريكية» لجيرارد ديليدال، و»وظيفة العقل» للفيلسوف «وايتيهيد».
02 جويلية 1981






