لم ينقطع اهتمام المثقفين والدراسين في سوريا وغير سوريا من الوطن العربي، بشعر سليمان العيسى عند كل دراسة أدبية أو نقاش فكري؛ فإلى جانب ما يتميز به شعر سليمان العيسى من حيث التكامل الفني والتقييم المدرك لقوانين العروض والضوابط الموسيقية واللغوية والوفاء للشعر الكلاسيكي من حيث النهج الموضوعي الذي جرى عليه الشعر العربي القديم من أوزان وتسلسل، فإنه امتاز عن غيره من الشعراء باهتمامه الجاد بقضايا الإنسان العربي، وصراعه المتواصل، وتطلعات أجياله، وهذا منذ قصائد ديوانه الأول (مع الفجر) إلى آخر دواوينه ومسرحياته الشعرية!..
ولعل السبب في ذلك يعود إلى:
1 – تشريده واغتصاب قطعة من وطنه بالقوة، «لواء الاسكندرونة».
2 – ضياع قطعة أخرى من أرضه العربية فلسطين وتشريد شعبها في الخيام.
3 – الصراع العربي الجاد في الساحة العربية خصوصاً منذ نهاية الأربعينات إلى اليوم كل هذه القضايا الكبرى والهموم اليومية الصغرى جعلته شاعراً يكتب قصائده بالأزميل وبصورة على صفحة عمره ليضمد جراحه التي فاضت دماً.
وهذا ما يلاحظه القارئ عندما يتمعن في قصائده، حتى «الغزلية»، مما جعل الشاعر يلجأ في الأخير إلى ميناء الطفولة الهادئ.. إلى الأمل الجديد، فبعدما طاف الشاعر بكل الموانئ، والأرصفة، وذاق مرارة دوامات البحار، بدأ محاولته العلمية الجادة في الكتابة إلى الأطفال حتى يصبح الشعر العربي على لسان كل طفل.. من هنا كانت بداية العمل الجديد لسليمان العيسى كما أكد لنا بذلك عندما تفضل وأعطانا من وقته الثمين قدراً «كافيا لأن يطلع القارئ على ما يريده الشاعر، وكانت هذه الردود والأجوبة التي يقطعها من حين إلى آخر بقول بعض أصدقاء الشاعر وهم «كثيرون» من أيام الثورة المسلحة إلى اليوم، أو قيامه للبحث عن آخر – أوبريت ليهديها إلى ضيوفه..
• بوصفكم من أكبر الشعراء العرب المعاصرين، أرجو أن تقدموا لنا نبذة عن حياتكم ونشاطكم في الحقل الأدبي بصفة عامة والشعر بصفة خاصة
أنا سعيد جدا بوجودي ولقائي مع إخوتي في أرض الثورة التي غيرت مجرى الأحداث في العلاقات الإنسانية.. أنا لست أكبر الشعراء العرب، بل لست شاعراً على الإطلاق.. أنا إنسان عربي يبحث عن نفسه وعندما سيجد أمته العربية سيجد نفسه يقوم بدوره كاملاً، فالشعر يعبر عن خلجات نفوسنا، عن طموحنا وآمالنا وأمانينا في صراعنا في الحياة، الشعر ملتصق بحياتنا اليومية والإنسان في حاجة إلى قصيدة.. إلى شعر.. إلى أشياء جميلة غير جامدة كالآلة مهما كان هذا الإنسان وفي أي عصر، فنحن دائماً وأبداً نحتاج إلى الكلمة الجميلة والنغمة العذبة والبيت الشعري، فالإنسان إحساس وعاطفة وأمل والشعر ضروري لا غنى عنه.
• يتأثر الشاعر عادة بمؤثرين أحدهما ذاتي أو شخصي، والثاني ما يلاحظه في بيئته أو محيطه، وكلاهما يدفعانه إلى إفراز باقي خلجات النفوس بأسلوب أرقى لفظاً وأعمق معنى مما يتردد على ألسنة الجماهير، فما هو دور هذين المؤثرين في تجربتكم الشعرية؟
هما معاً يا سيدي أتأثر بهما معاً فلا أفضل بينهما، فالشعر سلاح في المعركة ذلك هو ما آمنت به منذ أن كتبت أول بيت إلى الآن والشعر وسيلة من وسائل الدفاع عن النفس، الدفاع المشروع الذي منحتنا إياه كل شرائع الأرض والسماء، فعندما يهدد مصيرك ووجودك بالفناء، يصبح لك كل الحق بأن تستعمل كل وسيلة من وسائل الدفاع عن وجودك وعن حياتك التي استلبت منك.. هذا ما يدفعني إلى إفراز ما في خلجات نفسي.
• كيف تحولت في كتاباتك الشعرية القديمة إلى تجربة جديدة وهي شعر الأطفال هل هو اختيار متعمد له أسبابه أو عودة لحنان الطفولة بعد أن جاوزت الخمسين، أو هو بقايا جرح قديم لطفولتك المشردة! أم هي أسباب أخرى؟
في كل تاريخنا الأدبي العربي لم نلتفت إلى الطفولة، وهناك للأسف، فراغ رهيب في شعرنا العربي منذ العصر القديم إلى شوقي الذي قام ببعض المحاولات.. هذا الفراغ هو الذي جعلني ألتفت إلى الطفل فألفت عدة أوبريتات وأشعار للصغار، ولم أكتفِ بهذا حتى تكون هذه الأشعار الجادة البسيطة على لسان كل الأطفال، كما بعثت عملية الألحان والتمثيل لهذه الأوبريتات، ومثلها الأطفال على شاشة تلفزيون وأنا كإنسان يؤمن بمستقبل الوطن العربي الذي مزقته الأحداث وعهود الاستعمار الداخلي والخارجي، آمنت بأنه لا أمل لهذا الضياع الخطير إلا بعودة الأمل للوطن العربي، والأجيال الصاعدة حاملة المشعل خير من تحقق هذه الأمنية، فلنقدم لهم تجربتنا وصراعنا حتى يكون العمل الجديد في مستوى التضحيات.. ولا يكفي هذا، بل لا بد من المساعدة.. أطلب من جميع أصدقائي الشعراء العرب أن يباركوا أو يضاعفوا من هذه التجربة حتى نخلق حديقة الزهور.
• واستقبلت قاعة الموقار الشاعر الذي جاوز الخمسين من سنوات عمره بما فيها من ذكريات وكفاح وعمل، وما فيها أيضاً – وهذا المهم – من إصرار على تتمة عمل جديد هو الكتابة للأطفال..
وهكذا استقبل الجمهور في أعماقه ذكريات الطفولة المشردة في لواء الأسكندرونة منذ سنوات، وفي خيام فلسطين، ولا أمل عنده إلا في الجيل الصاعد من أطفال العالم العربي ، لا أمل إلا إذا وفرنا لهم الجو المناسب وخاطبناهم بما يفهمون وحللنا لهم التجارب والأماني والآلام الماضية في كلمات شعرية سهلة أو أوبريت ملحنة.. تجربة رائدة تنتظر المزيد من شعراء ورجال التربية والتعليم وكل المثقفين في العالم العربي..






