الدكتور ناصر الدين سعيدوني من المتخصصين الجزائريين في ميدان التاريخ، الذين تركز اهتمامهم على الفترة المعروفة بالعهد العثماني في الجزائر، في جانبها الاجتماعي والاقتصادي بصفة خاصة، وعلاوة على نشاطه في المركز الوطني للدراسات التاريخية، فهو يشغل حاليا منصب رئيس دائرة التاريخ في معهد العلوم الاجتماعية بجامعة الجزائر، وهذا ما يجعله – مثل بقية مؤرخينا – يعاني الإشكاليات التي تُطرح على صعيد إعادة كتابة تاريخنا التي ما انفكت الحاجة إليها تتزايد، ويعيش واقع تدريس مادة التاريخ في جامعاتنا، فضلا عن معايشته لمشاكل النهوض الثقافي في بلادنا بشكل عام.
وحول هذه القضايا كان لنا معه الحوار التالي:
بدأ اهتمام بلادنا بكتابة تاريخها بصفة خاصة منذ سنة 1973، نتيجة لحاجة الجماهير إلى تدعيم وعيها التاريخي لواقعها كيف تقيمون الجهود التي بذلت في هذا المجال خلال الفترة الأخيرة على مستوى التأليف والوعي الجماهيري؟
من الملاحظ أن المتطلبات العاجلة لجزائر ما بعد الاستقلال جعلت خطط التنمية الطموحة تنصب أساسا على المجال الاقتصادي، ولاسيما النشاط الصناعي مرجئة المطالب الأخرى، وفي مقدمتها الحاجات الاجتماعية والثقافية، إلى فترة لاحقة، مما ترك فراغا مهولا في التكوين الاجتماعي والثقافي للفرد الجزائري، وقد تجلى ذلك فيما يلي: أولا : أصبحت برامج التعليم والتكوين لفترة طويلة غير مسايرة للواقع الجزائري، ولا متماشية مع التوجيهات والشعارات الرسمية هذا في الوقت الذي كانت فيه جهود الإدارة منصبة على تقليد الأسلوب الفرنسي لغة وممارسة.. ثانيا: ظهرت شرائح ثقافية متمايزة نتيجة لبرامج التعليم المطبقة، بعضها متعلم بالفرنسية يستمد تصوره من الثقافة الغربية، والبعض الآخر متعلم باللغة العربية يستمد قيمه من ماضي الجزائر، وإن كان يرى نفسه غريبا عن الواقع الجزائري، هذا في الوقت الذي بدأ فيه جيل الثورة الذي خبر الاستعمار يتوارى ليترك مكانه لجيل ما بعد الاستقلال الذي لا يعرف عن الاستعمار سوى ما سمعه أو قرأه.
ثالثا: تزايد الاعتماد في المجال الثقافي، ولاسيما القطاع التعليمي منه على التعاون الخارجي لاعتبارات مختلفة، وقد ترك هذا التعاون – ولا يزال – انعكاسات سلبية على ذهنيات الأجيال الصاعدة كما حال هذا الاعتماد دون خلق أرضية ثقافية تعكس الواقع الجزائري وحاجياته.
رابعا: إعطاء الأهمية للشعب العلمية، لاسيما المزدوجة منها، الأمر الذي قلل من أهمية المواد الاجتماعية والإنسانية، وقد أظهر ذلك اختلالا في توازن شخصية الطالب الجزائري، بحيث لم يساير نموه الوطني وروحه الاجتماعي نمو معارفه العلمية وإذا جاز التعبير أصبح آلة تنفذ ولا تفكر.. كل ذلك أحدث قلقا وتململا عميقا، انتهى – في بعض الأحيان – ببعض الشباب إلى رفض الواقع والتنكر للماضي، ولقد كانت «المناداة بالتاريخ إلى المزبلة» مؤشرا على هذا الاستلاب، ومن هنا تأتي الحاجة إلى إعادة كتابة تاريخ الجزائر التي بدأت الدعوة إليها سنة 1973، وهنا يجب أن نحذر بأن عملية إعادة كتابة التاريخ الجزائري قد لا تعطي الفرد الجزائري الحصانة الثقافية والوعي الوطني، إلا إذا توفرت البيئة الصالحة وعدلت البرامج التعليمية، حتى تأخذ المواد الاجتماعية مكانها بجانب المواد العلمية البحتة.
الأستاذ سعيدوني، من خلال نشاطك في مركز الدراسات التاريخية، هل تعتقد أن معطيات البحوث التي أنجزها هذا المركز تسمح بالانطلاق في إعادة كتابة تاريخنا في الوقت الراهن؟
لقد استقطب المركز الوطني للدراسات التاريخية نخبة من المؤرخين الجزائريين، وحاول أن يكون أرضية مناسبة للبحث التاريخي، لما يملكه من إمكانيات مادية وأدبية، على أن حصيلة نشاط المركز والأبحاث المنجزة رغم قيمتها العلمية ومستواها الأكاديمي ظلت دون مستوى الآمال المعقودة عليه سواء من حيث الكم أو الاختصاص، وكلنا أمل، بعد مقررات اللجنة المركزية في مجال السياسة الثقافية، أن تعمل الهيئة المشرفة على هذا المركز جاهدة على تشجيع البحث التاريخي أكثر فأكثر حتى توفر الوسائل الضرورية لإعادة كتابة التاريخ الجزائري من وجهة نظر تخدم المصلحة الوطنية.
بصفتك أستاذا للتاريخ، ما رأيك في الطرق التي يدرس بها تاريخ الجزائر في جامعاتنا؟
بصفتي أستاذا للتاريخ، ألاحظ أن تدريس مادة التاريخ في جامعاتنا ظل منصبا أساسا على تغطية الوحدات المدروسة، وتقديم المادة التاريخية إلى الطالب، وهذا واقع تدريس التاريخ في أغلب الجامعات العربية، على أن الظروف التي تعيشها الجزائر، والرغبة الصادقة في تكوين مؤرخين قادرين على تطوير البحوث بحيث يساهمون في بعث الماضي وتصور المستقبل وبناء الحاضر، كل ذلك يجعلني أرى أن المنهج التاريخي الأفضل يقتضي الابتعاد عن تغطية البرامج وإعطاء المعلومات فقط، نظرا إلى أن مرحلة التعليم الثانوي من الضروري أن توفر هذه المعلومات الضرورية الأولى، وبالتالي، يصبح المنهج في تدريس التاريخ بجامعاتنا مقتصرا على أخذ عينات واختيار مواضيع والتركيز على نقاط أساسية ينصب عليها البحث، وبالتالي، يضطر الطالب إلى الاعتماد على البحث الشخصي الذي هو أساس كل تكوين حقيقي، كما يسمح للأستاذ أن يساهم ببحوث جديدة، هذا مع ربط الجانب النظري بالعملي أي إخضاع المعلومات المتوفرة لمنهجية البحث وربط هذه المنهجية بالمواد الاجتماعية الأخرى، بحيث تصبح الفلسفة بعدا تاريخيا، والجغرافية أرضية تاريخية، وعلم النفس وعلم الاجتماع محركا ودافعا تاريخيا، والأدب تصورا جماليا للتاريخ وهلم جرا.. هذا مع التركيز على أن الوثائق والآثار هي المصدر التاريخي الذي تنطلق منه كل دراسة جادة.
ما هو في نظرك المنهج التاريخي الأمثل، الذي يضمن إبراز مكانة الأمة ودورها في الحضارة الإنسانية؟
من خلال الإجابة عن السؤال السابق، يمكن تصور المنهج الأمثل في الدراسة التاريخية الذي يهدف أساسا إلى إبراز مكانة الأمة والتعريف بدورها الحضاري ورسالتها الإنسانية.
هل لديك تعليق على الكيفية التي طرحت بها قضايا تاريخ الجزائر بصفة عامة في ملف السياسة الثقافية، والمناقشات التي دارت في هذا النطاق؟
أقر بأن طرح ملف السياسة الثقافية ضرورة حتمية، وإن المناقشات التي دارت حولها كانت مثرية، وإن القضايا التي دار حولها النقاش كانت من الأهمية بمكان، وقد كانت قرارات اللجنة المركزية صريحة في ذلك وواضحة، ولهذا فإن كل ما أسجله هو أن دور المؤرخ والباحث يجب أن يبتدئ الآن انطلاقا من الخطوط العريضة التي حددها هذا الملف، وبذلك يصبح التاريخ في خدمة التنمية والثقافة الوطنية، ووسيلة لبعث الشخصية الوطنية، وبلورة وعي الفرد الجزائري في نطاق بعده العربي الإسلامي.
بعد كتابك «أيالة الجزائر»، ما هي مشاريعك في مجال التأليف والبحث التاريخي؟
ظهر لي لحد الآن حوالي ثلاثين بحثا ومقالا أغلبها يتعلق بالتاريخ الاجتماعي والاقتصادي للجزائر في العهد العثماني، بالإضافة إلى كتاب النظام المالي للجزائر في الفترة العثمانية، الذي نشر سنة 1979 وقد تسمح الظروف لإخراج جزء منها في شكل كتاب يتصل بالتاريخ الاقتصادي والاجتماعي للجزائر أثناء العهد العثماني.
أما مشاريعي الآتية، فهي تتمثل في المساهمة في إنجاز الجانب الاجتماعي والاقتصادي من تاريخ الجزائر في العهد العثماني والذي هو موضوع المجلد الثالث من كتاب «الجزائر عبر العصور» الذي يعتزم المركز الوطني للدراسات التاريخية إصداره بمناسبة مرور عشرين سنة على الاستقلال، أي خلال السنة القادمة، هذا وأعمل منذ عشر سنوات على تطوير دراسة تتصل بالريف الجزائري في العهد العثماني، انطلاقا من الأرشيف الجزائري، واعتمادا على وثائق المحاكم الشرعية، وكل ما أتمنى أن يكون هذا العمل إن سمحت الظروف في مستوى الآمال المعقودة عليه.






