تقدم هذه الرواية صورة عن ثورة الفلاحين في الريف التركي، فهي تتناول الماضي القريب جداً أي ثورة كمال أتاتورك والاضطرابات التي أعقبتها مثل جشع الأثرياء الإقطاعيين الذين تكالبوا على اقتسام الأراضي، وصعود نجم العطبات في الأرياف، وهذا الماضي لا يزال قريباً جداً لاسيما وأن تركيا الحديثة لا تزال تعاني من آثار هذه الثورة التي ربطتها بأوروبا، وكانت – في ذات الوقت – خاتمة لإمبراطورية عظيمة.
– وشخصية «مماد النحيل» تجسد الظروف القاسية التي عانى منها صغار الفلاحين تحت وطأة كبار الملاك الذين كانوا يتحكمون في مصائرهم ويستولون على كل محصولاتهم.
– وبطل هذه الرواية يسكن قرية صغيرة بمرتفعات طورس، فقد أباه وراحت أمه تعوله وتمر الأيام، فلا يقوى الفتى على احتمال السيطرة التي يمارسها «عبدي آغا» على أبناء القرية، و»عبدي آغا» هذا يمتلك خمس قرى بأكملها، فهو السيد والحاكم الذي لا يرحم ولا يعرف من قانون آخر سوى قانونه.. ويرفض الفتى هذا الطغيان فلا يجد مناصاً من الفرار ويجد ملجأ له في قرية أخرى يتبناه فيها رجل طيب يدعى سليمان، ويحس الفتى بالسعادة تغمره، وببعض الحرية، غير أن مبعوثي «عبدي آغا» سرعان ما يعثرون عليه، ولا يستطيع سليمان أن يحول بينهم وبين إلقاء القبض عليه واقتياده إلى مسقط رأسه، ويسلط عبدي آغا عقابه على والدة الفتى فيأخذ منها ما تبقى لها من صبابة العيش، غير أن مماد يجابه ذلك كله بالرفض.
وتمر السنون، فيكبر الفتى ويقع في حب فتاة تسمى «هاتشي» مخطوبة لابن أخ عبدي آغا، وينتهي به المطاف إلى أن يخطفها، فيثور عبدي آغا ويذهب للبحث عنهما صحبة «فيلي» خطيبها، ويقف المتعقبون على العاشقين ويطلق مماد النار فيجرح عبدي آغا ويصيب مقتلاً من «فيلي» ويصير بذلك شخصاً خارجاً عن القانون.
ثم يعرفه سليمان برجال العصابات في الجبال، فينضم مماد إلى عصابة «دوردو المجنون»، غير أنه لا يقاسمه أفكاره بل يرفض الاستيلاء على أموال الفقراء والأثرياء دون تمييز ونراه ينفصل عن دوردو ليشكل عصابته الخاصة به.
– وخلال ذلك كله، تلقي السلطات القبض على «هاتشي» وتقتادها إلى السجن في انتظار محاكمتها فهي متهمة بقتل خطيبها «فيلي».
– وينشب صراع عنيف بين «عبدي آغا» وعصابة مماد، فيتنصل هذا الأخير بأعجوبة من الكمين الذي ينصب له وسرعان ما تصير بداهته، وقوته وسرعته، وكرمه مضرب المثل في الأرياف كلها، بل إنه يتمكن من تحرير هاتشي والصمود في الجبال، ثم يهاجم عبدي آغا في عقر داره، ويحول القرية كلها إلى رماد، غير أن عدوه يتمكن من الفرار.
– وتزداد مكانة مماد رفعة وسط الفلاحين ويضع يده على أملاك عبدي آغا ويحرض الفلاحين على التمرد وفي الوقت الذي يتم فيه التصويت على هدنة عامة، ويستعد «مماد» لمغادرة الجبال والعودة إلى القرية..
تلاقي «هاتشي» مصرعها في صراع أخير، ولا يجد «مماد» بداً من أن يغيب عن أنظار الناس ويصعد إلى الجبال مخلفاً وراءه أسطورته وسط الفلاحين، فهو قد توصل إلى قتل عبدي آغا وتحرير الفقراء من العبودية، وليس على التاريخ سوى أن يكمل ما اضطلع به.
– إن رواية «مماد النحيل» هي بدون شك إحدى روائع الأدب التركي الحديث، فقد كتب ياشار كمال ملحمة مدوية عن البروليتاريا الفلاحية دون أن يقع في شبائك البلاغة أو يسف في الشعبوية بدعوى التبسيط، ومماد هذا رجل فذ، ويعود ذلك إلى الوضع الذي وجد فيه وليس إلى بطولاته، فهو يجسد إرادة شعب في التحرر والانطلاق، شعب يخرج من العصور الوسطى المريعة ليجابه العصور الحديثة.
والروائي «ياشار كمال» من هؤلاء الذين اغترفوا من معين الملاحم الكبرى التي حفلت بها المناطق التركية النائية أيام ثورة «أتاتورك» وقد استطاع أن ينقل هذا الشكل الأدبي إلى الرواية المعاصرة وخلق في ذات الوقت أدباً اجتماعياً أصيلاً.






