يرى الخبير الاقتصادي عبد النور قاشي أن تصريحات رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، حول مشروع الخط المنجمي غارا جبيلات–تندوف–بشار، تعكس رؤية طموحة لتعزيز الاقتصاد الوطني واستغلال الثروات الطبيعية للبلاد. واعتبر أن هذا المشروع يمثل خطوة مهمة نحو ربط المناطق الجنوبية بالمناطق الصناعية، ويدل على قدرة الكفاءات الوطنية على إنجاز مشاريع كبرى بسرعة وكفاءة.
وقال قاشي لـ«الشعب» إن تصريحات رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، خلال لقائه مع وسائل الإعلام الوطنية حول الخط المنجمي الغربي غارا جبيلات–تندوف–بشار، تمثل تأكيدًا واضحًا على أن هذا المشروع لا يُنظر إليه كاستثمار ظرفي، بل كخطوة أولى في مسار وطني طويل لبناء دولة ناشئة قائمة على استغلال الثروة وتحويلها إلى قيمة مضافة خارج قطاع المحروقات.
وتابع الخبير أن رئيس الجمهورية أكد أن هذا الخط المنجمي ليس إلا بداية لمشروع وطني كبير، وهو وصف دقيق يعكس حجم الرهان الاقتصادي الحقيقي، خاصة وأن المشروع أُنجز في مدة قياسية وبقدرات وطنية، ما يعكس تطور الكفاءة الهندسية والقدرة التنفيذية الجزائرية في مشاريع البنية التحتية الثقيلة، وهو ما تؤكده ردود فعل الخبراء العالميين التي فاقت التوقعات.
وأكد في ذات السياق أن هذا المشروع، من الناحية الاقتصادية، يُصنف ضمن أكبر مناجم الحديد غير المستغلة في العالم، باحتياطات تُقدر بمليارات الأطنان، ويتميز بكونه منجمًا مفتوحًا، ما يجعل كلفة الاستخراج منخفضة نسبيًا، في حدود 7 دولارات للطن الواحد. وتمنح هذه الميزة الجزائر أفضلية تنافسية حقيقية في الأسواق العالمية.
وأفاد قاشي بأنه لا يمكن اختزال خط غارا جبيلات–تندوف–بشار في كونه مجرد مشروع منجمي، بل هو بنية سيادية استراتيجية تسمح بالتحكم في سلسلة القيمة من المنجم إلى المصنع، وهو ما يجعل من هذا الخط، كما جاء في تصريح رئيس الجمهورية، خطوة تأسيسية في مسار تحويل الجزائر إلى دولة ناشئة تمتلك قرارها الصناعي واللوجستي.
وأوضح المتحدث أن التحكم في النقل لا يخفض فقط التكاليف، بل يضمن استمرارية التموين، ويحد من هشاشة النشاط الصناعي أمام التقلبات الخارجية، وهو عنصر حاسم في الصناعات الثقيلة، كما يساهم في تحسين كفاءة سلاسل الإنتاج وزيادة القدرة التنافسية في الأسواق المحلية.
وقال الخبير الاقتصادي إن العملية الإنتاجية في غارا جبيلات تسير وفق سلسلة صناعية متكاملة تبدأ بالاستخراج عبر معدات متخصصة في المناجم المفتوحة، تليها عمليات السحق والمعالجة الأولية في الموقع، ثم نقل الخام المعالج نحو وحدات التحويل الصناعي شمال البلاد.
وهنا يكمن جوهر الرهان الاقتصادي، يقول المتحدث، فبينما يبلغ سعر خام الحديد في الأسواق الدولية حوالي 100 دولار للطن، فإن تحويله محليًا يسمح بإنتاج مواد نصف مصنّعة ومصنّعة، وهو ما يجعل المشروع رهانًا استراتيجيًا لتحويل الثروة المنجمية إلى قيمة مضافة حقيقية داخل الوطن.
وأكد الخبير الاقتصادي أن هذا المشروع يمكن أن يدر على الاقتصاد الوطني عائدات صافية تناهز 3 مليارات دولار سنويًا، دون احتساب الآثار غير المباشرة المرتبطة بخلق مناصب الشغل، وتطوير الجنوب الكبير، وتقليص فاتورة الاستيراد، وتحفيز النسيج الصناعي الوطني.
وأضاف أن البعد الاستراتيجي الحقيقي لمشروع غارا جبيلات يتجلى في الانسجام الواضح بين الرؤية السياسية العليا والتحليل الاقتصادي الموضوعي، فتأكيد رئيس الجمهورية أن الجزائر «بلد المعجزات» وأن أبناءها «لا يزالون واقفين رغم انبطاح الكثيرين»، فإن ترجمة هذه العبارات عمليًا، بعيدًا عن بعدها الرمزي، تتمثل في مشاريع كبرى تُنجز بإمكانات وطنية، وتؤسس لاقتصاد أقل تبعية وأكثر سيادة.
إن مشروع غارا جبيلات ليس مجرد منجم ولا مجرد خط سكة حديدية، بل خيار اقتصادي وسيادي يعكس تحولًا عميقًا في نموذج التنمية الوطنية، من تصدير المواد الخام إلى بناء سلاسل قيمة صناعية متكاملة، وهو بذلك يشكل إحدى الركائز الأساسية في مسار بناء اقتصاد وطني متنوع، منتج، وأكثر صلابة في مواجهة التحولات العالمية.
وأكد الخبير الاقتصادي عبد النور قاشي، ختامًا، أن هذا يعكس توجه الجزائر، بقيادة رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، نحو التخطيط على المدى البعيد وبناء اقتصاد قوي بالاعتماد على إمكاناتها الوطنية وموقعها الجغرافي، مشيرًا إلى أن هذا التوجه يعزز السيادة الاقتصادية، ويكرس تنويع مصادر الدخل، ويمكن الجزائر من رفع تنافسيتها إقليميًا ودوليًا.



