كواشي : رؤية إستراتيجية تهدف لتحقيق الإنصاف التنمــوي
بريش: تحول نوعي في فهم وإدارة المديونية الخارجية
في لقائه الإعلامي الدوري مع ممثلي وسائل الإعلام الوطنية، قدّم رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، رؤية شاملة واستراتيجية لمستقبل الجزائر الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وقد تركز الخطاب بشكل رئيسي على تعزيز تنويع الاقتصاد الوطني، وتطوير البنية التحتية الاستراتيجية، وترسيخ السيادة الوطنية، مع توجّه استراتيجي واضح لتمويل المشاريع الكبرى في الجزائر عبر القروض الميسّرة، في تحوّل نوعي في فهم وإدارة المديونية الخارجية.
أكد البروفيسور مراد كواشي، أستاذ جامعي وخبير اقتصادي، أن اللقاء الإعلامي الأخير لرئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، الذي جمعه مع ممثلي وسائل الإعلام الوطنية، كان لقاءً صريحًا ومباشرًا، طغى عليه بشكل واضح الجانب الاقتصادي.
وأوضح كواشي، في تصريح لـ»الشعب»، أن رئيس الجمهورية اعتمد خلال هذا اللقاء على خطاب مباشر قائم على الأرقام، حيث تطرّق إلى مختلف المنجزات الاقتصادية التي حققتها الجزائر، خلال الفترة الأخيرة، وفي مقدمتها مشروع منجم غارا جبيلات ذي الطابع الاستراتيجي.
وأشار المتحدث إلى أن رئيس الجمهورية توقف مطولًا عند مشروع السكة الحديدية بشار–تندوف–غارا جبيلات، الممتد على مسافة تقارب ألف كيلومتر، والذي سيسمح بفك العزلة عن منطقة الجنوب الغربي، فضلًا عن دوره في وقف استيراد الحديد الخام، الذي يكلّف الجزائر حاليًا ما يقارب 1.5 مليار دولار سنويًا.
كما أبرز كواشي أن رئيس الجمهورية أكد على عدد مناصب الشغل التي سيوفرها هذا المشروع، إضافة إلى البعد الاجتماعي لمشروع السكة الحديدية، من خلال نقل الأشخاص بين تندوف وبشار وصولًا إلى وهران.
وأضاف كواشي أن رئيس الجمهورية شدد على أن هذه المشاريع ليست سوى بداية، مشيرًا إلى وجود مشاريع أخرى قيد الإنجاز، على غرار مشروعي الزنك والرصاص بولاية بجاية، خاصة في ظل الارتفاع الذي تشهده أسعار الزنك على المستوى العالمي.
وضمن هذا السياق، أكد رئيس الجمهورية، حسب ذات الخبير، أن الجزائر ماضية قدمًا في استغلال كل ثرواتها المنجمية، معتبرًا أن مشاريع الفوسفات، والزنك والنحاس، ومنجم غارا جبيلات، تم اختيارها بعناية في إطار رؤية استراتيجية تهدف إلى تحقيق الإنصاف التنموي والإنصاف الجغرافي.
وأوضح أن هذه المشاريع موزعة على ثلاث مناطق جغرافية كبرى، حيث يوجد مشروع في الشرق، وآخر في الوسط، وثالث في الغرب، بما يضمن توزيعًا متوازنًا للاستثمار والثروة على مختلف مناطق الوطن.
التأسيس لصناعة تحويلية
وأوضح الأكاديمي أن الرئيس أشار إلى أن الجزائر تزخر بثروات منجمية أخرى يمكن استغلالها خلال المرحلة المقبلة، مع التشديد على ضرورة التأسيس لصناعة تحويلية حقيقية تسمح باستغلال هذه الموارد محليًا، بدل تصديرها في شكل مواد خام، بما يعزز القيمة المضافة ويدعم الاقتصاد الوطني.
كما تطرّق رئيس الجمهورية، حسب كواشي، إلى مشروع الفوسفات المدمج ببلاد الحدبة بولاية تبسة، إلى جانب الخط المنجمي الشرقي تبسة–عنابة، الممتد على مسافة 422 كيلومترًا.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، أبرز الرئيس وجود علاقات مميزة مع عدد من الدول الأوروبية، على غرار إيطاليا وألمانيا وإنجلترا، إضافة إلى علاقات متقدمة مع عدة دول عربية، خاصة مصر والسعودية وقطر، مع استثناء دولة الإمارات، حيث لمح رئيس الجمهورية إلى احتمال حدوث قطيعة اقتصادية بين الجزائر والإمارات، خلال الفترة المقبلة، يؤكد كواشي.
وأشار ذات الخبير إلى أن الرئيس تطرّق أيضًا إلى علاقات الجزائر مع دول الاتحاد الأوروبي على أساس ثنائي، معتبرًا أن هناك محطات إيجابية ومميزة في العلاقات مع عدد من الدول الأوروبية، على غرار إسبانيا وإيطاليا، مبرزًا متانة العلاقات مع تلك الدول، ليشير إلى نموذج التعاون مع ألمانيا، خاصة في مجال المشاريع الطاقوية، لاسيما تصدير الهيدروجين الأخضر وتصدير الكهرباء، إضافة إلى الغاز والطاقات الأحفورية.
الجزائر لن تتعرض للعبء المالي
من جهته، أكد البروفيسور عبد القادر بريش، خبير اقتصادي ونائب برلماني، وجود توجه استراتيجي واضح لتمويل المشاريع الكبرى في الجزائر عبر القروض الميسّرة، معتبرًا أن هذا التوجه يعكس تحولًا نوعيًا في فهم وإدارة المديونية الخارجية.
وأوضح البروفيسور بريش في إفادة لـ»الشعب» أن الرئيس أعلن عن تمويل مشروع خط السكة الحديدية (المنيعة–تمنراست) عبر قرض من البنك الإفريقي للتنمية بقيمة 3 مليارات دولار، مشيرًا إلى أن هذا التمويل سيتم وفق شروط ميسّرة لا تشكل عبئًا على قدرات الدولة المالية، ولا تمس بسيادتها أو استقلال قرارها السياسي والمالي. وأكد أن هذا القرار يوضح كيف يمكن توظيف المديونية الخارجية كأداة استراتيجية لتمويل مشاريع البنية التحتية ذات المردودية الاقتصادية والاجتماعية العالية.
كما أشار بريش إلى أن المديونية الخارجية كانت في الذاكرة الجزائرية مرتبطة بالأزمات المالية الخانقة في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات، حين أدت تقلبات أسعار النفط إلى ضغوط كبيرة فرضت برامج تكييف هيكلي مؤلمة وشروطًا اقتصادية واجتماعية قاسية من طرف صندوق النقد الدولي.
أما اليوم، فأكد بريش أن المشهد تغير جذريًا، إذ أن مستوى المديونية الخارجية شبه منعدم، ما يمنح الجزائر هوامش وطاقة مديونية كبيرة وقدرة تفاوضية عالية للحصول على تمويلات لمشاريع استراتيجية، بشروط مالية ميسّرة وآمنة، لا تهدد الأمن المالي ولا تمس السيادة أو استقلالية القرار السياسي والاقتصادي. وأضاف أن هذا الوضع يتيح استغلال المديونية كرافعة للنمو والتطوير والتحديث، خصوصًا عند توجيهها نحو مشاريع البنية التحتية ذات الأثر الاقتصادي والاجتماعي طويل المدى.
عائد الاستثمار مقابل تكلفة الاقتراض
وأوضح بريش أن المديونية الخارجية، في علم المالية العامة، تُعد أداة للرفع المالي، مشيرًا إلى أنه عندما يتجاوز العائد الاقتصادي والاجتماعي للمشاريع الممولة تكلفة الاقتراض، تتحول المديونية إلى أصل منتج وأداة استراتيجية لتمويل المشاريع الاستراتيجية بدل أن تكون عبئًا ماليًا.
وأضاف أن هذه المقاربة تفتح المجال أمام تسريع الاستثمارات وتحويل المديونية من هاجس تقليدي إلى رافعة نمو طويلة الأمد، تعظّم مردودية الاستثمار الوطني مقابل تكلفة اقتراض مدروسة وميسّرة.
وأكد بريش أن اعتماد التمويل الخارجي كجزء من مزيج تمويلي متوازن يمنح الدولة مرونة مالية وحماية من الصدمات الاقتصادية، إلى جانب قدرة تفاوضية عالية للتعامل مع المشاريع الكبرى، فضلًا عن استقلالية القرار المالي دون تبعية سياسية.
وأشار إلى أن ذلك يشمل التعامل مع المؤسسات المالية الدولية والإقليمية، كالبنك الدولي، والبنك الإفريقي للتنمية، والبنك الإسلامي للتنمية، بالإضافة إلى أدوات السوق مثل السندات، والصكوك السيادية، والتمويل الأخضر.
وأضاف أن هذا التنويع يضمن خيارات تمويلية سيادية وتدفقًا مدروسًا للمديونية الخارجية، دون فرض أي قيود سياسية أو اقتصادية خارجية، ويعزز القدرة التفاوضية للجزائر على الساحة الدولية.
وأكد ذات الخبير الاقتصادي أن مشروع خط السكة الحديدية (المنيعة–تامنغست) يمثل نموذجًا استراتيجيًا، لما له من دور في تعزيز السيادة الوطنية بربط الجنوب العميق بالشمال، كونه رافعة للتنمية الاقتصادية والربط اللوجستي، حيث يفتح الآفاق أمام المشاريع القارية الكبرى.
وأوضح أن تمويل المشروع عبر البنك الإفريقي للتنمية يتم بشروط ميسّرة وغير مشروطة سياسيًا، ما يجعل المديونية الخارجية أداة استراتيجية لتسريع إنجاز مشاريع البنية التحتية دون إرهاق القدرات المالية للدولة.


