لم تعد دور الحضانة فضاءات مخصّصة للرعاية فقط، بل تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى محاضن تربوية حقيقية، تشهد بروز نمط جديد في تربية الأطفال، يقوم على منهاج تعليمي تحضيري مستلهم من التراث الوطني والعادات والتقاليد الجزائرية الأصيلة، في مسعى لغرس الهوية الثقافية في نفوس الأطفال منذ السنوات الأولى.
في جولة ميدانية داخل إحدى دور الحضانة، يلفت الانتباه اعتماد أنشطة تربوية تجعل الطفل يعيش التراث بكل تفاصيله، حيث تتحوّل المناسبات الثقافية والدينية إلى محطات تعليمية بامتياز، تُوظف فيها الصورة، واللباس، والموسيقى، والحكاية، كوسائل تربوية فعّالة.
ومن بين أبرز هذه المحطات، إدراج الاحتفال برأس السنة الأمازيغية يناير ضمن البرنامج التربوي، حيث يُقدم للأطفال بأسلوب مبسط، من خلال أغانٍ أمازيغية، حكايات شعبية، وأطباق تقليدية رمزية، ما يرسّخ لديهم قيم الانتماء والاعتزاز بالتنوع الثقافي الوطني.
كما يعتمد هذا النمط التربوي على إدخال الشعر التراثي والأهازيج الشعبية المناسبة للفئة العمرية، حيث يُلقَّن الأطفال مقاطع قصيرة بأسلوب تفاعلي، يُنمّي ذاكرتهم اللغوية وحسّهم الفني، ويُدعَّم ذلك بتخصيص أيام لارتداء اللباس التقليدي، فيتحوّل فضاء الحضانة إلى مشهد ثقافي حيّ، يعزّز ارتباط الطفل بموروثه.
ولا تغيب المناسبات الدينية عن هذا المسار، إذ تحيي بعض دور الحضانة ذكرى المولد النبوي الشريف من خلال تنظيم “الطريق” أو موكب رمزي داخل الحضانة، يتخلله إنشاد ديني مبسط، والتعريف بسيرة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقيم الرحمة، التسامح، والتكافل الاجتماعي، بما يتناسب مع إدراك الطفل.
رهان على تربية متكاملة وسلوك ممنهج
من جهتهم، عبّر عدد من أولياء الأطفال عن ارتياحهم لهذا التوجّه، معتبرين أن التربية على القيم والعادات لا تقل أهمية عن التعليم التحضيري، وأكدوا أن إدماج التراث في البرامج اليومية يساعد الأطفال على بناء شخصية متوازنة، في زمن يتسم بتأثيرات ثقافية متعدّدة.
ويرى مختصون في التربية أن هذا النموذج يساهم في تنشئة طفل معتز بهويته، ومنفتح على محيطه، مؤكدين أن السنوات الأولى من عمر الطفل تُعد مرحلة حاسمة لغرس القيم والسلوكيات الأساسية، ففي ظلّ هذه التحولات، تواصل دور الحضانة أداء دور متجدّد، يجعل من التراث منهجا تربويا، ومن الاحتفال وسيلة تعليم، ومن الطفل محور مشروع تربوي يزاوج بين الأصالة ومتطلبات العصر.







