خلال سنوات دراستي في الجامعة وعبر النقاشات مع الطلبة والأساتذة، كان هنالك معضلة حقيقية حول موضوع الأدب الجزائري عموما، ما كتب بالعربية وما كتب بالفرنسية: هل هنالك خصوصية لهذا الأدب تميزه عن الأدب العربي عموما؟ أم أنه تقسيم جغرافي لا علاقة له ببنية النصوص وخصائصها الفنية وغير الفنية؟!
وقد جرى حبر ليس بالقليل في سبيل مقاربة هذه الإشكالية بشكل من الأشكال، ومن الذين كتبوا في هذا الموضوع أ.د. أحمد منور في مؤلفه «أزمة الهوية في الأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية»؛ حيث يقول: «هذا العنوان الذي يطرح في حد ذاته إشكالية لم ينته النقاش فيها بعد إلى شيء، ولا سيما في جزئه الأخير، إذ هنالك من ينكر على هذا الأدب جزائريته ويعده بسبب لغته أدبا فرنسيا، وهنالك بالمقابل من يعده بسبب الروح التي كتب بها أدبا جزائريا خالصا لا مجال للطعن فيه…»؛ ولقد صدق إلى أبعد حد، فمن يقرأ الرواية الماتعة «المغارة المتفجرة» للروائية الجزائرية يمينة مشاكرة التي كتبت بالفرنسية وترجمت إلى العربية، سيتأكد مما قرره الدكتور منور عن عموم ما كتبه الجزائريون في الحقبة الاستعمارية وما تلاها من عقود كان المثقف الجزائري لا يحسن غير الفرنسية لغة للتواصل والبوح.
ولحق بهذا الموضوع تفصيل أكثر تعقيدا هو “الأدب النسوي الجزائري” بوضع شرط موضوعاتي إلى جانب الشرط الجغرافي السابق، فبات عندنا حلقتان متقاطعتان، تفرض علينا تضييق الخناق لحصر هذا الأدب وتمييزه عن الأدب النسائي الذي تكتب المرأة الجزائرية.
فبالإضافة إلى معضلة الأدب الجزائري المذكورة آنفا، تضاف معضلة الأدب النسوي (وليس النسائي فقط)، كأدب يحمل في ثناياه مقومات الفكر النسوي الذي يسعى إلى تفكيك النظام الأبوي وفضح آلياته، وتقديم البدائل لتلك الأنساق العلمية والمعرفية التي تتبنى الثنائيات الصلبة (ذكر/أنثى) وتسهر على إبقائها.
معروف عند المشتغلين بالحقل النقدي، ما مر به هذا الأدب من تحديات في الغرب، حيث تم معارضته أول الأمر باعتباره خطابا أيديولوجيا يروّج لنزعات سياسية محضة. لكن مع بروز الموجة الثانية للحراك النسوي وتطور النظرية النسوية وظهور الفلسفة النسوية، تغيرت النظرة إلى هذا الأدب.. وبدأ الاهتمام به كخطاب أدبي يسعى لإثبات نفسه على مستوى الإبداع والنقد الأدبي والحضور الإعلامي. وتغيرت نظرة النقاد لهذا الخطاب من نظرة تهكمية تحصره في أدب السيرة الذاتية ذات النزعة الانفعالية، إلى أدب ذي خصوصية يحمل في ثناياه خصائص تميزه عن الأدب الذكوري وليس بالضرورة الرجالي.
وسؤال هنا: هل نملك -حقا- كاتبات نسويات متشبعات بالفكر النسوي، يكتبن بوعيين جمالي وفلسفي، كل من الرواية والقصة والقصيدة وغيرها من الأجناس الأدبية؟ أم أن كل ما هنالك هو اعتماد على جنس الأنثى في التسويق لأدب يدّعي انتسابه للنسوية ثم يكفر بها من خلال ما يسطر من كلمات؟!!
ونسجل ملحوظة مهمة ها هنا أن الكاتبة النسوية لا تكتب بالضرورة نصا/خطابا نسويا، (والعكس صحيح من باب الافتراض، لكنه يحتاج إلى أمثلة لإثباته فعليا). والدارسون لهذا النوع من الأدب يعرفون مدى صعوبة إيجاد مدونة جزائرية نسوية في مجملها، تحتكم لمقومات الفكر النسوي الذي يسعى إلى خلخلة وحلحلة النظام الذكوري لفضح ممارساته وانحيازاته تجاه الذكر، لا مجرد عبارات محدودة توزع بالتقسيط في النص ليقال هذا بأنه نص نسوي!!
لا أشك من باب التخمين أن هنالك نصوصا نسوية ما، تمت كتابتها تحت تأثير الفكر النسوي الغربي عبر قنواته المختلفة (النشر الورقي، النشر الإلكتروني، والإعلام، ووسائل التواصل الاجتماعي…)، وهذا سيتطلب منا التنقيب في المدونة الأدبية النسائية لاكتشاف ما هو نسوي منها، وهذا بحث يتطلب مساحة أكبر من مساحة هذا المقال، وجهدا يتجاوز مجرد الادعاء إلى قراءة جادة أشبه بالعملية الإحصائية!
لعلّ الاستثناء (وليس الوحيد) الذي يعد بمثابة إجماع من طرف نقاد الأدب هو كتابات «فضيلة فاروق»، فإن نصوصها هي نصوص نسوية بامتياز، تنم عن وعي بالنسوية وقضاياها وتاريخها وأهم الكتابات التي كتبت فيها، ومن ثم نجد توظيف كل ذلك بطريقة جمالية فيما أخرجت من روايات (تاء الخجل، اكتشاف الشهوة، أقاليم الخوف..).
فمن غيرها يمكن تصنيفها كاتبة نسوية؟





