الدولــة تضع الملــــف علـى رأس أولوياتهـا لمواجهــة التحديــات المناخية
اعتبر الدكتور تهامي مرزوقي، أستاذ وباحث جامعي خبير ومختص في الموارد المائية في بيئتها، أنّ قضية “الأمن المائي في الجزائر” قد تجاوزت أبعادها التقنية والبيئية لتستقرّ في صلب السّيادة الوطنية والأمن القومي الشامل.
أبرز الخبير مرزوقي في تصريح لـ« الشعب”، أنّ قضية الأمن المائي في الجزائر، تعد حجر الزاوية في استراتيجية السّيادة الوطنية، حيث تضع الدولة هذا الملف على رأس أولوياتها لمواجهة التحديات المناخية المتزايدة، وتتجسّد هذه الرؤية من خلال حزمة من البرامج الوطنية الطموحة، التي ستنهي الاختلال في توزيع المياه، وعلى رأسها تحيين المخطّط الوطني للمياه (2025-2045)، وإعادة الاعتبار لأنظمة الواحات، وتثمين المقدرات المائية الهائلة في الجنوب الغربي الجزائري، مثلما شدّد عليه رئيس الجمهورية، في اجتماع مجلس الوزراء الأخير.
وكان رئيس الجمهورية، قد شدّد خلال مجلس الوزراء على إبلاء الأهمية القصوى لاحترام مخطّطات توزيع الماء الشروب وطنيا في سائر أيام السنة، معتبرا أنّ حادثة انقطاع ماء الحنفيات عن سكان ولاية الشلف، قبل عودته مؤخّرا، أمر غير مقبول بتاتا وينجر عنه تحمل المسؤوليات الكاملة، محذّرا وبشدة من أي تراخ يؤدي إلى مثل هذه الواقعة.
بالنسبة للباحث مرزوقي، فإنّ المخطط الوطني الجديد للمياه، يمثل الأداة الأساسية لتخطيط وتسيير الموارد المائية في الجزائر، وفي إطار المراجعة الشاملة التي تشرف عليها الوكالة الوطنية للتسيير المدمج للموارد المائية (اجير)، الذي يهدف إلى صياغة رؤية استشرافية، تمتد لعشرين سنة القادمة.
في هذا السّياق، أوضح الأستاذ مرزوقي أنّ المراجعة لا تقتصر على الجوانب التقنية فحسب، بل تمتد لتشمل دراسات موضعية معمّقة كمية ونوعية، بغرض تحقيق الانتقال من التسيير القائم على “توفير المورد” إلى تسيير مبني على “الاستدامة والفعالية الاقتصادية”، مع إدماج الموارد غير التقليدية مثل تحلية مياه البحر وتصفية المياه المستعملة كرافد أساسي للموارد الجوفية والسطحية.
بالنسبة للجنوب الغربي الجزائري (بما في ذلك أحواض الساورة، تندوف، والجنوب الوهراني)، أفاد الدكتور مرزوقي الباحث بجامعة طاهري ببشار، أنّ المنطقة تزخر بخزانات مائية جوفية هائلة، إلا أنّ الكثير من هذه الموارد لا يزال “غير مستغل” بالشكل الأمثل أو “غير معروف” بدقة علمية كافية، من حيث الخصائص الهيدروجيولوجية والقدرة على التجدّد.وأبرز مرزوقي أهمية الموارد المائية في مرافقة المشاريع التنموية الكبرى، حيث قال أنّ الهدف الأسمى لهذه الاستراتيجية المائية هو أن تكون المحرّك الأساسي لثلاثة قطاعات حيوية في الجنوب، متمثلة في الفلاحة الصّحراوية، عبر دعم المستثمرات الكبرى في تيميمون وأدرار وبشار بموارد مائية مستدامة لضمان الأمن الغذائي، الصناعة عن طريق توفير المياه اللازمة للمشاريع المنجمية (مثل غارا جبيلات) وصناعات التحويل، مع تبني تقنيات إعادة تدوير المياه الصناعية، وكذا السّياحة للحفاظ على جمالية ونضارة الواحات والقصور كوجهة سياحية عالمية تعتمد على التوازن البيئي المائي.
ويخلص الأستاذ مرزقي إلى أنّ الأمن المائي في الجزائر ليس مجرّد توفير للمياه، بل هو عملية معقدة تجمع بين العلم، التخطيط والوعي البيئي، مؤكّدا أنه من خلال تكاتف جهود الخبراء على المستوى المحلي والوطني مع توجّهات الدولة، فإنّ الجنوب الغربي مقبل على نهضة تنموية شاملة، تجعل من “الذهب الأزرق” وسيلة للرّقي والازدهار الاقتصادي المستدام.

