في خطوة لافتة، تؤكّد عودة الدفء لمحور الجزائر-نيامي، بعد فترة من الجمود، وجّه رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون خلال الأيام القليلة الماضية، دعوة رسمية لرئيس المجلس الوطني لحماية الوطن في النيجر، السيد عبد الرحمان تياني، لزيارة الجزائر، وهي الدعوة التي جاءت بعد زيارة العمل التي قادها وزير الدولة وزير المحروقات والمناجم، السيد محمد عرقاب إلى نيامي، في نهاية شهر جانفي المنصرم.
تستعيد علاقات الجزائر والنيجر زخمها المعتاد، وفاء للتاريخ المشترك والمصالح الاقتصادية الكبرى التي تجمع البلدين، وتجاوز التباينات السياسية الظرفية التي عرفتها المنطقة مؤخّراً، لاسيما وأنّ العديد من الأطراف تسعى للتدخّل في منطقة الساحل واستغلال الهشاشة السياسية والأمنية، في المنطقة لتحقيق مصالحها على حساب شعوب ودول المنطقة.
وكان رئيس الجمهورية قد كشف في وقت سابق، أنه راسل «أخيه» الجنرال تياني، داعياً إياه لزيارة الجزائر، معرباً عن أمله في أن «تمرّ السحابة» التي خيّمت على الأجواء، حيث شدّد رئيس الجمهورية على أنّ النيجر «دولة قريبة جداً» من الجزائر، في تصريح يحمل بحسب العديد من المتابعين إشارة ضمنية إلى فصل المسار النيجري الذي يتّسم بالمرونة، عن مسار العلاقات مع مالي الذي يشهد تعقيدات أكبر، ممّا يعكس براغماتية الدبلوماسية الجزائرية في التعامل مع ملفات الساحل كلٌ على حدة.
تسعى الجزائر في علاقتها مع دول الساحل، خاصة النيجر أن تترجم شعار «اليد الممدودة» إلى مشاريع ملموسة على أرض الواقع، وهذا ما تجسّد بشكل فعلي في الزيارة التي قادت الوزير محمد عرقاب إلى النيجر، حيث أكّد على ضرورة الحرص على تعميق التعاون، لاسيما في قطاع الطاقة الذي يعد العصب الحيوي لأي اقتصاد، وقد صرّح عرقاب عقب اللقاء بأنّ المحادثات كانت «بناءة للغاية»، مشيراً إلى الاتفاق على تسريع وتيرة العمل في المشاريع المشتركة، وهو ما يُقرأ على أنه رغبة من نيامي في تنويع شراكاتها الاستراتيجية والاستناد إلى «الحليف الجزائري»، كبديل موثوق وآمن في ظلّ التجاذبات الدولية في الساحل.
وفي سياق الحراك الطاقوي، كشف عرقاب عن مستجدات مهمة تخص مشروع أنبوب الغاز العابر للصّحراء (TSGP) نيجيريا – النيجر- الجزائر، مؤكّداً أنّ المشروع والذي ينظر إليه كشريان حياة يربط إفريقيا بأوروبا، قد تجاوز مرحلة التخطيط ليدخل قريباً «مرحلة الإنجاز الفعلي»، معلناً عن اجتماع وزاري ثلاثي مرتقب (الجزائر، النيجر، نيجيريا) لوضع اللمسات الأخيرة. ويرى خبراء أنّ الإصرار الجزائري على بعث هذا المشروع في هذا التوقيت بالذات، يمثل رداً عملياً على محاولات عزل المنطقة، ويؤكّد دور الجزائر كضامن للأمن الطاقوي الإقليمي.
على صعيد الشراكة الثنائية المباشرة، أوضح عرقاب أنّ مجمّع «سوناطراك» حقّق نتائج واعدة في حقل «كافرا» النفطي بالنيجر، متوقعاً انطلاق الإنتاج الفعلي في غضون أسابيع (بداية من شهر مارس)، وهي خطوة ستوفر للنيجر موارد مالية هامة بالعملة الصعبة لدعم اقتصادها، وتثبت في الوقت ذاته نجاعة المقاربة الجزائرية القائمة على «الأمن عبر التنمية»، بدلاً من المقاربات العسكرية الصرفة التي أثبتت محدوديتها في دول الساحل، وتعتبر الجزائر من أهم الشركاء الدوليّين بالنسبة للنيجر في مجال الطاقة.
كما تطرّق عرقاب إلى ملف الكهرباء، مؤكّداً استعداد الجزائر عبر مجمّع «سونلغاز» لمرافقة النيجر ودول إفريقية أخرى في هذا المجال، بفضل القدرات الإنتاجية والتكنولوجية التي تحوزها الجزائر، في إشارة إلى نية الجزائر تحويل فائض إنتاجها من الكهرباء إلى أداة ناعمة لتعزيز نفوذها الاقتصادي وتثبيت الاستقرار في جوارها الجنوبي، لاسيما وأنّ قطاع الكهرباء في الجزائر يُدار في مجمله بأيادٍ جزائرية خالصة، سواء على مستوى الإنتاج وأدواته وتوربينات الغاز التي تُنتج محليًا، أو على مستوى النقل عبر شبكات الضغط العالي، أو التوزيع عبر شبكات الضغط المتوسّط. وتستطيع الجزائر، عبر خبراتها ومؤسّساتها في القطاعين العام والخاص، أن تصبح عصب الطاقة في منطقة الساحل، لاسيما من خلال المشاريع المتنوعة، سواء أنبوب الغاز العابر للصّحراء، أو الشراكات الثنائية المتعلقة باستخراج النفط من قبل سوناطراك، وصولًا إلى تصدير الفائض من الكهرباء والربط الكهربائي بين الجزائر والنيجر.
وهو ما يترجم بشكل فعلي المقاربة الجزائرية التي تطالب بالمضي قدمًا فيها منذ سنوات، والتي تؤكّد أنّ الأمن لا يمكن أن يتحقّق إلا من خلال المشاريع الاقتصادية والتنموية وفق مبدأ رابح-رابح، مع رفض تام لأي خطط للتدخل من الدول الأجنبية، لاسيما تلك الساعية إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة.

