أكـتب للنجـاة مـن صوتي الداخلي ومن ضجيج الشوارع
الواقــع ليـس ممـلاً ونصوصي متبّلة بالخيال والبحث عن الهامش
الجوائز الأدبية اعـتراف معنوي قـد يتحـوّل إلى “قيــد” للكاتـــب
تتحدث الكاتبة عزة بوقاعدة عن علاقتها بالكتابة بوصفها فعل وعي ومساءلة للواقع، تشكل أساسا من خلال القراءة والعزلة. وأكدت أن تنقلها بين الأجناس الأدبية المختلفة لم يكن خيارا تقنيا بقدر ما هو استجابة لأسئلة إنسانية متعددة، مع حفاظها على صوت واحد ينحاز للهامش وقضايا الهوية، وتشدّد على أن الأدب عندها ليس خطابا مباشرا أو وظيفة جاهزة، بل مساحة مفتوحة للتأويل يتسلل فيها الموقف عبر التفاصيل، وتظل الكتابة ممارسة يومية لفهم العالم والتعايش مع تناقضاته.. بوقاعدة الأديبة المتميزة بصوتها الإنساني، فتحت لنا قلبها، فكان هذا الحوار..
الشعب: كيف تشكل وعيك الأول بالكتابة؟ وهل جاءت بوصفها ملاذا شخصيا للتعبير عن الذات، أم كخيار واع لمساءلة الواقع والاشتباك مع أسئلته؟ وكيف أثرت البيئة الاجتماعية والثقافية التي نشأت فيها على اختياراتك الفنية والموضوعية؟
عزة بوقاعدة: تشكل وعي الكتابة لدي في منطقة القراءة أولا، فالعزلة لعبت دورا حاسما في هذا التشكل؛ فقد كانت منفذا للهروب إلى عالم الكتب الساحر، ومساحة آمنة لبناء علاقة مبكرة مع اللغة والمعنى.. القراءة سبقت الكتابة بأشواط، وربما أنقذتها من التسرع، وجعلتني أتعلم الإصغاء قبل القول، وأن أفهم أن الكتابة ليست استعراضا لغويا بقدر ما هو محاولة لفهم العالم وإعادة ترتيبه من الداخل.
مع الوقت، لم تعد الكتابة مجرد ملاذ شخصي، لقد صارت فعل مساءلة، وشغف واشتباك هادئ مع ذاتي والواقع وأسئلته المؤجلة.. أحب الواقع، وأغترف منه بلا تردد، لكنني لا أقدمه خاما، أُتبله بتوابلي الخاصة من خيال وتخييل، مع قناعة راسخة بأن لكل قصة واقعها الخاص الذي يُؤثث للنص، حتى وإن بدا متخيّلا.
الواقع عندي ليس صورة واحدة جاهزة وقالب ممل، عندي الواقع نص كبير وطبقات متراكبة، وما أفعله في الكتابة هو محاولة كشف هذه الطبقات دون استنساخها.
تنقلت بين الرواية والقصة القصيرة وأدب الطفل، وهو تنوّع ليس سهلا من حيث الأدوات والرؤية، كيف تديرين هذا التعدد دون أن تفقدي صوتك الخاص؟ وهل لكل جنس أدبي شروطه النفسية والفكرية أثناء الكتابة؟
تنقلي بين الرواية، والقصة القصيرة، وأدب الطفل لم يكن خيارا تقنيا بقدر ما كان استجابة لأسئلة مختلفة تحتاج أدوات مختلفة، ولكل جنس أدبي شروطه النفسية والفكرية فعلا، فالقصة القصيرة تتطلب وعيا حادا باللحظة وقدرة على القطع، والرواية تحتاج نَفَسا طويلا وصبرا على التراكم، وأدب الطفل يفرض صدقا مضاعفا وبساطة لا تحتمل الخداع. ما يحفظ صوتي الخاص وسط هذا التعدد هو انشغالي الدائم بالإنسان، وبقلق الوجود في ذاته ومهما تغيّر القالب قد أغيّر الأدوات، لا البوصلة.
القارئ لنصوصك يلاحظ حضورا واضحا للإنسان المهمش، ولأسئلة المرأة والهوية، هل تكتبين انطلاقا من قناعة بأن الأدب يجب أن يكون موقفا أخلاقيا وإنسانيا، أم تفضلين ترك النص مفتوحا على التأويل بعيدا عن أي وظيفة مباشرة؟
حضور الإنسان المهمش، وأسئلة المرأة والهوية، لا يأتي من رغبة في أداء دور أخلاقي جاهز، إنها تأتي من وفاء لتجربة معيشة ولواقع أعرف قسوته جيدا.. لا أكتب لأن الأدب يجب أن يكون موقفا، إنما أؤمن بأن الصمت خيانة، وإمساك العصا من المنتصف خيانة مضمرة أيضا. ومع ذلك أؤمن بالنصوص التي ترفع شعارات واضحة. أفضل أن يتسلل الموقف عبر التفاصيل، وأن يبقى النص مفتوحا على التأويل، بعيدا عن أي وظيفة مباشرة أو خطاب وعظي.
تبدو قصة “مئة وخمسون” التي نالت الجائزة الأولى في مسابقة “أم سهام” لعام 2025 مشحونة بالدلالة والاقتصاد اللغوي، كيف ولدت هذه القصة؟ وما الذي يمثله الرقم في بنيتها الرمزية؟ وهل كنت واعية منذ البداية بأن النص متجه نحو التكثيف والاختزال؟
^^ قصة “مئة وخمسون” ليست رقما بريئا، هي أكثر من رقم قد يكون رقم غرفة في فندق أو عمارة، أو قيمة مالية، أو رقم عشوائي، أو عدد الساعات، أو سنوات، التأويل هنا تركته للقارئ عن قصد، أما بالنسبة لي، فللرقم معنى آخر أيضا، أكثر خصوصية وربما أكثر إيلاما، ولا أرى ضرورة لكشفه.. منذ البداية كنت واعية بأن النص يتجه نحو التكثيف والاختزال، لأن الموضوع نفسه لا يحتمل الإسهاب. بعض القصص لا تُكتب بقدر ما تُقتطع اقتطاعا.
إلى أي حد يمكن للجوائز الأدبية أن تكون اعترافا من المشهد الثقافي بالكاتب، وإلى أي حد قد تتحول أحيانا إلى عبء أو معيار خارجي يقيد حرية التجريب؟ وكيف تنظرين أنت شخصيا إلى علاقتك بالجوائز بعد هذا التتويج؟
±^^ الجوائز الأدبية قد تكون شكلا من أشكال الاعتراف، لكنها ليست مقياسا نهائيا للقيمة، فأحيانا تمنح الكاتب دفعة معنوية، وأحيانا تتحول إلى عبء حين يُطالَب بتكرار نفسه أو الامتثال لتوقعات خارجية، علاقتي بالجوائز حذرة؛ أقدّر الاعتراف، لكنني لا أسمح له بأن يتحول إلى معيار يقيد حريتي في التجريب أو يحدد مساري الإبداعي.
في رواية “البئر” يبرز الرمز بوصفه أداة مركزية، هل البئر في هذا العمل هو مكان، أم ذاكرة، أم جرح جمعي؟ وكيف تشتغلين على الرمز حتى لا يتحوّل إلى غموض مغلق أو خطاب مباشر؟
في رواية “البئر”، الرمز ليس زينة سردية، البئر مكان، وذاكرة، وجرح جمعي في آن واحد وهو ما نُسقط فيه ما لا نريد مواجهته، وما نعود إليه حين نعطش للمعنى أو حتى في فوضى اللامعنى.. اشتغالي على الرمز قائم على التوازن، أن يكون مفتوحا بما يكفي للتأويل، ومحددا بما يكفي حتى لا يتحوّل إلى غموض مغلق أو خطاب مباشر. الرمز عندي أداة إنصات وليست أداة استعراض.
في مجموعتك “مزاج المرايا” يحضر الانعكاس والذات وتعدد الأصوات، هل المرايا هنا استعارة للمرأة، أم للذات الإنسانية عموما؟ وكيف تنظرين إلى القصة القصيرة اليوم في ظل هيمنة الرواية؟
في مجموعة “مزاج المرايا”، وهي قصص قصيرة جدا (ققج)، المرايا ليست استعارة للمرأة فقط، وإن كانت تجربتها حاضرة بقوة،
بقدر ما كانت تجسيد للذات الإنسانية عموما حين تتشظى وترى نفسها في أكثر من انعكاس، فالقصة القصيرة جدا اليوم، ورغم هيمنة الرواية والشعر فإنها تحتفظ بقدرتها على الصدمة والتكثيف لأنها جنس لا يساوم، ولا يقول إلا ما هو ضروري.
أسست مقهى نسويا لنشر القراءة وتعزيز استقلالية المرأة، كيف انتقلت الفكرة من النص إلى الفعل الثقافي على أرض الواقع؟ وما التحدّيات التي واجهتك في تحويل المبادرة إلى فضاء حي ومؤثر؟
تجربة المقهى النسوي كانت أكبر فشل ذريع حظيت به، ماديا ومعنويا، تجربة مرهقة إلى حد الاستنزاف، ولا أنوي تكرارها أبدا. قبل التجربة كنت مأخوذة بهاجس الصالونات الثقافية القديمة، مثل صالون مي زيادة والعقاد، وأردت خلق فضاء ثقافي يعيد الكتاب إلى المرأة تحديدا.
كنت أؤمن، وما زلت، بما قاله أحمد شوقي “المرأة مدرسة إن أعددتها أعددت شعبا طيب الأعراق”، لكن الواقع كان أقسى من الفكرة المستعجلة، فالمجتمع لا يرحم المبادرات الثقافية التي يراها هشة ومزاحمة للذكر في أمكنته كالمقاهي، ومجتمعنا لا يمنح الثقافة دائما ما تستحقه من صبر واحتضان، هذا الفشل علمني بأن المبادرات الثقافية لا يمكن أن تكون خاصة دون دعم من الدولة و احتضان من المجتمع، أعتقد أنها فكرة صالحة ولكن ليست لذلك الوقت، قد تنجح مستقبلا مع أناس آخرين.
أخيرا ما الذي يشغلك الآن على مستوى الكتابة أو الفعل الثقافي؟ وهل هناك مشروع إبداعي جديد يتشكل في الأفق؟
الكتابة رفيقتي في الحياة، لا وقت محدد لها ولا مكان، أكتب في كل مكان، وفي أي وقت، حين تفرض اللحظة نفسها أستقبلها بكل شغف وقبول. لذلك لدي مشاريع كتابية لا تنتهي، لأن الكتابة عندي ليست مشروعا مؤجلا، إنها ممارسة يومية للنجاة من أفكاري، من صوتي الداخلي، من الناس في الشوارع، من الظواهر الاجتماعية، من الأحداث في الواقع أو المواقع…، وهي محاولة مستمرة لفهم هذا العالم المتناقض والعيش فيه بأقل قدر ممكن من الخسارة.





