اعتمدت الجزائر مقاربة جديدة لضمان الأمن المائي، عن طريق إنجاز محطات نزع المعادن من المياه وتعزيز تصفية المياه المستعملة، وفقا للرؤية السديدة التي رسمها رئيس الجمهورية للجزائر آفاق 2024-2030، وقد أوعز الرئيس للحكومة لتنفيذ برامج استعجالية بكل من تندوف وتمنغست، وأخرى بنيوية تحتية بهدف تلبية الاحتياجات الوطنية من ماء الشروب للساكنة، والذي لن يكون إلا من خلال التنويع في مصادر المياه التقليدية وغير التقليدية بما فيها تصفية وتحلية المياه من الأملاح المعدنية والمعادن الثقيلة، والتي تقوم في جوهرها على الكم والنوع، من خلال الاعتماد على الانتقال من مجرد استخراج المياه الجوفية العميقة «ألبيان» إلى معالجتها كيميائيا وفيزيائيا وضمان مطابقتها للمعايير العالمية للصحة والري.
تعدّ محطات تصفية وتحلية المياه من الأملاح المعدنية والمعادن الثقيلة في الجنوب خيارا استراتيجيا هاما بالنسبة للجزائر لضمان وتحقيق الأمن المائي في المناطق الصحراوية، سيما بالمناطق التي تعتمد كليا على المياه الجوفية التي غالبا ما تتميز بنسبة ملوحة مرتفعة، يقابله تزايد الطلب على مياه الشرب والنشاط الفلاحي، ما يشجع الاستقرار السكاني ويدعم «القطب الفلاحي» الجديد في الجنوب وبالتالي تعزيز الأمن الغذائي، لهذا لجأت بلادنا باعتبارها دولة ذات موارد مائية محدودة إلى تقنية إزالة المعادن لتوفير مياه شرب ومياه صناعية عالية الجودة لتلبية احتياجاتها عبر محطات متنوعة الحجم ومتفاوتة القدرة الإنتاجية تحت وصاية الجزائرية للمياه، التي تسهر على ضمان توصيل المياه إلى أبعد النقاط في الجزائر والسماح بوصول مياه الشرب لجميع السكان، مع المساواة في توزيع الكميات المتاحة من خلال توفير مياه صحية وذات نوعية جيدة.وبرزت الحاجة الملحة لهذه المحطات بالجنوب الكبير لعدة عوامل تستهدف تأمين الصحة العمومية بالحد من أمراض الكلى والحصى الناجمة عن التراكيز العالية للأملاح والمعادن الثقيلة، إلى جانب مرافقة الفلاحة الصحراوية من خلال حماية التربة من التملح وضمان نمو المحاصيل الحساسة للملوحة على غرار بعض أنواع الخضروات، وكذا توفير مياه معالجة لاستخدامها في الصناعات النفطية والتحويلية دون تآكل الأنابيب.
التناضح العكسي تقنية فعّالة وطموح لتوطين التكنولوجيا..
ويتم في هذا السياق استغلال المياه المالحة بدلا من استنزاف الطبقات العذبة المحدودة، حيث يتم التوجه لتحلية المياه المالحة الموجودة في طبقات قريبة من السطح، بالاعتماد على آخر التكنولوجيات المستحدثة في هذا المجال، وذلك عبر تقنية التناضح العكسي لأنها الأكثر فعالية في نزع الأملاح من المياه الجوفية، والتي يجري حاليا العمل على توطين هذه التكنولوجيا بإنتاج أغشيتها محليا لتقليل تكاليف الصيانة.وتمر تقنية التناضح العكسي عبر عدة مراحل بداية بالمعالجة الأولية، حيث يتم تصفية المياه من الشوائب العالقة والرمل، مرورا بالضغط العالي، عبر ضخ المياه بضغط عالٍ من خلال غشاء «نصف نفوذ»، وأخيرا مرحلة الفصل، حيث يقوم الغشاء بحجز الأملاح والمعادن كالكالسيوم، المغنيسيوم، والصوديوم، ويسمح فقط بمرور جزيئات الماء النقي، أما المعالجة البعدية فتكون عبر إضافة الماء وكميات مدروسة من الأملاح الضرورية لجعلها صالحة للشرب بحسب معايير منظمة الصحة العالمية، فيما يجري التفكير في ربط محطات التصفية بمحطات الطاقة الشمسية لخفض البصمة الكربونية وتكلفة المتر المكعب.
إطفـــاء ضمـــأ سكان الجنوب بميــاه شروب مستدامــة
وتمتلك الجزائر نماذج حية لهذه المشاريع في الجنوب، على غرار مشروع تمنراست الكبير أو مشروع «القرن» الذي ينقل المياه من عين صالح إلى تمنراست على مسافة 750 كم، بهدف تعزيز المنطقة من خلال توفير 100 ألف م3/ي إضافية من مياه الشرب لما يقرب من 120 ألف /نسمة، ويتضمن محطات تصفية ضخمة لضمان جودة المياه المنقولة وتخليصها من المعادن الزائدة قبل وصولها للمواطن بطاقة إنتاجية تصل إلى 45 ألف م3/اليوم. إلى جانب محطات ولاية الوادي التي تعتبر رائدة في دمج تصفية المياه مع السقي الفلاحي بمحطة ذات قدرة إنتاجية وصلت إلى 30 ألف م 3 /اليوم، علما أنه هناك دراسة لإنشاء محطة أخرى لإزالة المعادن من مياه الشرب في مدينة الوادي ما ساعد في تحويل مدينة الألف قبة وقبة إلى قطب لإنتاج البطاطس والخضروات التي تتطلب مياه بملوحة منخفضة.وبمنطقة «المغير» استفادت من مشروع نموذجي يهدف لتوفير مياه الشرب لمنطقة تعاني تاريخيا من ملوحة عالية في المياه بمحطة ذات طاقة إنتاجية بـ 14 ألف م 3 /اليوم، مع اعتماد تقنيات صيانة محلية لضمان استمرارية الخدمة، وكذا بـ «جمعة» بـ 12ألف م3/اليوم.كما استفادت كل من بشار وتندوف بمحطات تصفية الأولى بطاقة انتاج 4500 م 3 /اليوم والثانية بـ 15000م 3 /اليوم، لضمان مصادر مياه مستدامة بعيدا عن تذبذب الأمطار، عبر تعزيز الأمن المائي في المناطق الجبلية والصحراوية الوعرة، ومحطة عين صالح بـ 45000 م3 /اليوم، ونفس الأمر بالنسبة لأدرار حيث تتوفر على أكبر الخزانات الجوفية على غرار عين صالح لكنها تحتاج لمعالجة لخفض نسبة الملوحة.ونفس الأمر بالنسبة بكل من ورقلة وحاسي مسعود اللتين استفادتا من مشاريع ضخمة لتصفية المياه الجوفية الموجهة للاستهلاك المنزلي، حيث بلغ عدد المحطات المنجزة 13 محطة تصفية من المعادن، أكبرها بعين الصحراء بطاقة انتاجية 34560 م3/اليوم، وبالحدب 27 ألف م3 /اليوم، والبرمة 1296 م3 /اليوم.أما ولاية إليزي فهي تتوفر على محطة لإزالة الحديد من المياه الجوفية لتزويد مدينة إليزي بمياه الشرب، بطاقة إنتاجية تبلغ 10 آلاف م3/يوم، هذا المشروع قيد التشغيل منذ عام 2017، فيما استفادت من مشروع محطة تحلية مياه بطاقة إنتاجية تبلغ 5000 م3/يوم قيد التشغيل، قابلة للتوسيع إلى 10 آلاف م3/يوم، لتحسين جودة المياه وتأمين إمدادات مياه الشرب لسكان في أميناس.ولم يستثن هذا الطموح ولايات الشمال الي تعاني من ملوحة المياه، حيث استفادت كل ولاية تيزي وزو بمحطة تصفية بتالاأوليلي بطاقة انتاج 2500 م3/يوم، وتلمسان أيضا بـ»بندفل» بطاقة انتاج 864 م3/يوم، وأخيرا ولاية سوق أهراس التي استفادت من ثلاث محطات بطاقة اجمالية 15611 م3/يوم، وهو الالتزام الذي رفعته الجزائرية للمياه في سبيل تحسين إيصال ماء الشروب بشكل مستدام في الجزائر الجديدة، تطبيقا لتعليمات رئيس الجمهورية الذي تعهّد بعدم ترك أي مواطن عرضة للعطش.
تحدّيـــات تقنيـة وبيئيـة فجّرت حلــولا مبتكـرة
واجه هذا الطموح الكبير للجزائر عدة تحديات تقنية وبيئية ما تتطلب حلولا مبتكرة، من بينها صرف المياه الرجيعة أو شديدة الملوحة الناتجة عن عملية التصفية، حيث يتم البحث عن تقنيات لتبخيرها أو إعادة استخدامها صناعيا لتجنب تلويث التربة، كما تتطلب تحلية المياه طاقة عالية، وهو ما يجعل «الهجين الطاقوي» الحل الأمثل في الجنوب باعتبار أن الجنوب الجزائري يمتلك أعلى نسبة إشعاع شمسي في العالم، خاصة وأن الطاقة تمثل حوالي 40% من تكلفة إنتاج المياه المصفاة.في المقابل لم تكتف المقاربة الجديدة للجزائر بالمحطات المركزية الضخمة، بل توجهت أيضا إلى الاعتماد على المحطات المصغرة «المونوبلوك» التي توضع في القرى والمداشر المعزولة، وتتميز بسهولة التركيب والتشغيل، إلى جانب المحطات المتنقلة التي تستخدم في حالات الطوارئ أو في مخيمات الشركات البترولية والمناجم، وتعمل بتقنية التناضح العكسي داخل حاويات شحن، حيث يصعب بناء محطات ضخمة وربطها بشبكات طويلة، فإلى جانب توفير المياه فهي حل اقتصادي حيث تخفض فاتورة الصيانة، لأن المياه العذبة لا تسبب تآكل الأنابيب والأجهزة الكهرو منزليّة كالسخانات والغسالات، إلى جانب دعم الاستثمار الفلاحي، ما يشجع للمستثمرين على زراعة أنواع جديدة من المحاصيل كالقمح والذرة التي لا تتحمل الملوحة العالية.
أبعــاد اقتصاديـــة واستثماريـة لمحطـات التصفيـة
لا تعتبر هذه المحطات خيارا استراتيجيا فقط لتوفير «شربة ماء» لأي مواطن حتى لوكان في أقصى الجنوب، بل هي مشروع ذو أبعاد اقتصادية استثمارية ما يجعل منها محرك اقتصادي حقيقي يهدف لتحويل الجنوب من منطقة استهلاك إلى «سلة أو خزان للغذاء» في الجزائر، حيث ساهمت هذه المحطات في خلق ديناميكية اقتصادية جديدة.
وبموجب المقاربة الجديدة تستهدف الجزائر الانتقال من «تسيير الندرة» إلى «خلق الوفرة بجودة عالية»، مع ربط كل لتر ماء مصفى بـ «قيمة مضافة» سواء في الصحة، الفلاحة أو الصناعة، وهو ما يتم تحقيقه يوما بعد يوم، سواء تعلّق الأمر ببعث الفلاحة الاستراتيجية أو كما يسمى بـ»الذهب الأخضر» فبعد أن كانت الملوحة العالية للمياه في السابق عائقا أمام زراعة محاصيل معينة.
فاليوم وبفضل محطات التصفية، أصبح بإمكان المستثمرين والشباب في الجنوب التوجه نحو الزراعات الصناعية كالشمندر السكري، عباد الشمس، والذرة، وهي محاصيل تتطلب مياها بجودة معينة لضمان مردودية عالية، وكذا تحسين إنتاج التمور، حيث ساهمت المياه المصفاة في حماية النخيل من «التملح» الذي يؤثر على جودة التمور المصدرة للخارج.
ولم تكتف أيضا هذه المقاربة الجديدة باستيراد المحطات، بل تشجع على خلق فرص عمل وتوطين التكنولوجيا، حيث هناك توجه لدعم الشباب الناشط في إطار المؤسسات الناشئة والمتخصص في صيانة هذه المحطات وتطوير برمجيات لمراقبة جودة المياه عن بعد، فيما هناك سعي حثيث نحو إنتاج المرشحات والأنابيب محليا يقلل من خروج العملة الصعبة ويخلق ورشات عمل متخصصة في صناعة قطع الغيار عبر الولايات الجنوبية.





