قطبان رئيسيّان في بنيــة النظام العربـي.. ودور كبير في حفظ الاستقرار والأمن العالمــي
بخطوات ثابتة يمضي قطار العلاقات الجزائرية -السعودية، نحو مزيد من التطور والازدهار على جميع المستويات، ويتَّجِه لبلورة شراكة نموذجية في العالم الإسلامي، في ظلّ تطابق الرؤى حول مختلف القضايا العربية والإفريقية، وارتفاع نسق التبادل التجاري والاستثماري في السنوات القليلة الأخيرة.
تعدّ كل من الجزائر والسعودية، قطبين رئيسيّين في بنية النظام العربي، ويقع على عاتقهما مسؤولية كبيرة لحفظ الاستقرار والأمن في المنطقة والعالم، وحماية مصالح الدول وشعوبها، فبينما تقود الجزائر قاطرة شمال إفريقيا والساحل إلى التنمية المستدامة والسلم، تتموضع السعودية في قلب الشرق الأوسط، وتُمثِّل بوصلة أمان وسلام له من كل الاضطرابات المحدقة.
ويسعى قادة البلدين بتنسيق وثيق إلى إرساء معالم التضامن العربي عبر جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، وغيرها من الأجهزة الإقليمية والدولية، بغية تحسين وضع العلاقات بين الدول من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي، وبلوغ الأهداف المعلن عنها خلال الاجتماعات رفيعة المستوى للهيئات سالفة الذكر.
شهدت العلاقات الاقتصادية الثنائية بين الجزائر والسعودية، زخمًا لافتاً خلال السنتين الأخيرتين، حيث سجّلت توقيع اتفاقيات جدّ هامة بين الطرفين، على غرار العقد الذي أبرمه مجمّع سوناطراك مع الشركة السعودية «مداد للطاقة- شمال إفريقيا» بقيمة استثمارية إجمالية قدرها 5.4 مليار دولار، وكذا إطلاق استثمار مشترك في القطاع الزراعي، يشمل إنتاج محاصيل فلاحية استراتيجية بولاية المنيعة، وغيرها من المشاريع.
وقد أكّد رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، خلال اللقاء الدوري الأخير مع ممثلي وسائل الإعلام، أنّ العلاقات الجزائرية – السعودية أكثر من أخوية، منبّهًا على أنّ كل ما يمسّ المملكة العربية السعودية الشقيقة يمسّ الجزائر، في إشارة واضحة إلى المستوى العالي الذي بلغته الروابط بين البلدين، مشيدا بعلاقات الجزائر الجيّدة والأخوية مع كل الدول العربية، باستثناء «دويلة».
ولاقت تصريحات الرّئيس تبون، صدىً واسعًا وعلى أعلى مستوى في المملكة العربية السعودية، تناقلها كبار الصّحفيّين والإعلاميّين والمدوّنين بشكل إيجابي، أين رحّبوا بتوثيق العلاقات مع الجزائر، والارتقاء بالتعاون الثنائي إلى آفاق أرحب، وتعزيز الشراكة التجارية والاقتصادية، بما يخدم مصالح البلدين الشقيقين، ويعكس دورها وثقلهما السياسي والاقتصادي في محيطهما الخليجي والإفريقي.
العلاقات الثنائية في أوجّها
في هذا الشأن، كشف رئيس المركز الجزائري لرجال الأعمال والمتعاملين الاقتصاديّين، مسعود تيمونت، أنّ علاقات الجزائر بالمملكة العربية السعودية، جدّ وطيدة وذات عمق تاريخي.
وفي تصريح خصّ به «الشعب»، أوضح مسعود تيمونت، أنّ العلاقات بين الجزائر والسعودية اتّسمت، منذ الاستقلال بالاستقرار والتفاهم والتنسيق المستمرّين، مشيًرا أنه في عهد الملك فيصل والرئيس الراحل الهواري بومدين، ارتقت الروابط الاقتصادية، وزادت نسبة التعاملات، خصوصًا داخل منظمة «أوبك» الدولية، التي ساد فيها التوافق بين العملاقين العربيّين الطاقويّين.
وأضاف تيمونت، أنّ هذه العلاقة في ما بعد استمرت بنمو باهت إلى أن وصلت إلى عهد الرئيس الحالي السيد عبد المجيد تبون، لتصعد إلى أوجّها، أين كانت السعودية أول بلد يزوره في العالم بعد انتخابه رئيسًا للجمهورية نهاية سنة 2019، ومن خلالها، تمّ تفعيل عديد الاتفاقيات الحيوية، وإنشاء مجلس تعاون اقتصادي رفيع المستوى للبلدين، يترأّسه من الجانب السعودي الأمير محمد بن سلمان، ويضمّ كبرى الشركات ورجال الأعمال الجزائريّين والسعوديّين.
وتابع المتحدث: «كيف لا تتطور العلاقة بين الجزائر والرياض، وقد قرّرت المملكة العربية السعودية عام 1957 قطع علاقاتها بفرنسا تضامنًا ودعمًا للثورة التحريرية الجزائرية الخالدة، وتنديدًا بما تمارسه من جرائم، كما أمر الملك الراحل سعود بن عبد العزيز بفتح اكتتاب مالي شعبي عام، وبدأ بنفسه ووضع فيه مقدارًا رفيعًا، وشارك فيه الأمراء والشعب السعودي برمته، من أجل إسناد الثوار الجزائريّين ماديًا ضد الاستعمار الفرنسي الغاشم».
وخلال هذه المرحلة، سجّلت العلاقات بين البلدين تقدّمًا ملحوظًا، نتج عنه إبرام اتفاقيات هامة خصوصا في مجال البترول، الصناعات التحويلية، والفلاحة، ورفع التبادلات التجارية، التي من المرتقب أن تصل إلى حوالي 10 ملايير دولار أمريكي، وهناك معاهدات مرتقبة وشراكات واعدة بعديد المجالات الاقتصادية، يذكر مسعود تيمونت.
فصلٌ يتّسم بالعمق الاستراتيجي
من جهته، أكّد المستشار الدولي في التنمية الاقتصادية، الدكتور هادف عبد الرحمان، أنّ العلاقات الاقتصادية بين الجزائر والمملكة العربية السعودية، تحرّرت اليوم من قيود التعاون التقليدي، وانتقلت إلى فصل جديد يتّسم بالعمق الاستراتيجي، والواقعية الاقتصادية القائمة على الاحترام والمنفعة المتبادلة.
وأبرز الدكتور هادف، في تصريحه لـ»الشعب»، أنّ الجزائر والسعودية صارا أمام مرحلة «تحول كبير»، حيث لم يعد التقارب بينهما مجرّد رغبة سياسية، بل ضرورة تفرضها التّحوّلات الجيو-اقتصادية المتسارعة، التي أعقبت الأزمات العالمية الأخيرة.
وأفاد هادف، أنّ الجزائر تسعى لتجسيد نموذج نمو سريع يعتمد على قانون الاستثمار الجديد (22-18) الذي يمنح تسهيلات وحوافز ضريبية تصل إلى 10 سنوات، في حين تمضي المملكة في تنفيذ «رؤية 2030»، التي ضخّت من أجلها استثمارات تريليونية لتنويع اقتصادها خارج قطاع المحروقات.
هذا التقاطع ليس مجرّد صدفة زمنية، بل هو أرضية صلبة لبناء شراكة قائمة على التكامل، حيث تطمح الجزائر لرفع ناتجها المحلي الإجمالي إلى أكثر من 400 مليار دولار في السنوات القليلة القادمة، بينما تستهدف الرياض الوصول للمرتبة 15 عالميًا بين أكبر الاقتصاديات، وفقا له.
توطين التكنولوجيا والسّيادة الصناعية
يرى هادف، أنّ الصناعات الصيدلانية والكيميائية حجر الزاوية في التكامل بين الجزائر والمملكة العربية والسعودية، مشيرا أنّ الجزائر نجحت في خفض فاتورة استيراد الأدوية بنسبة 40%، عبر تشجيع الاستثمار وتحفيز الإنتاج المحلي، وأصبحت تمثل اليوم منصة إنتاجية واعدة للشركات السعودية الكبرى.
وأضاف محدثنا، أنّ الشراكة بين البلدين الشقيقين، تتجاوز مجرّد البيع والشراء؛ لأنّ التطلّعات تجاوزت ذلك وبات الحديث عن بناء سلاسل إمداد إقليمية تستفيد من وفرة الغاز في الجزائر، مثل تصنيع «اللقيم» للصناعات البتروكيماوية، ومن الخبرة السعودية الهائلة في هذا المجال (بتمثيل من عملاق الصناعة سابك). وهذا التكامل كفيل بخلق أقطاب صناعية موجهة للتصدير نحو منطقة التجارة الحرّة القارية الإفريقية (ZLECAF)، ممّا يمنح المنتجات الجزائرية والسعودية أفضلية تنافسية في سوق يضم أكثر من 1.3 مليار نسمة.
الإقتصاد الرّقمي.. جسر الابتكار
اعتبر هادف الاقتصاد الرّقمي محرّكًا صامتًا للتحول المنشود في العلاقات الجزائرية السعودية، ذلك أنّ الرياض استثمرت بقوة في تقنيات المستقبل والذكاء الاصطناعي، وتمتلك «نموذج نجاح» يمكن نقله وتكييفه في الجزائر، التي تشهد بدورها ثورة في قطاع المؤسّسات الناشئة بفضل الحوافز التي أقرّتها الحكومة.
وهذا التعاون في المجال يتجاوز «رقمنة الإدارة» ليصل إلى بناء منظومات تقنية مشتركة في مجالات «التكنولوجيا المالية» (FinTech) و»الأمن السيبراني»، وبناء قاعدة بيانات مشتركة وتطبيقات رقمية تخدم حركة رؤوس الأموال بين الرياض والجزائر، حتى تُسهم في خفض تكاليف الأعمال البينية، وزيادة سرعة نمو المؤسّسات الصغيرة والمتوسطة في كلا البلدين، بحسب قوله.
التحالف من أجل مستقبل أخضر
كشف المستشار هادف، أنّ قطاع الطاقة المتجدّدة برز في العقد الأخير كأهم مجالات التعاون الاستراتيجي، في ظلّ التوجه العالمي نحو «الحياد الكربوني»، حيث تمتلك الجزائر إمكانات هائلة لإنتاج الطاقة الشمسية بمتوسط إشعاع يبلغ 2500 كيلوواط ساعة/م² سنويًا، بينما تقود السعودية عبر شركة «أكوا باور» مشاريع عالمية كبرى في الهيدروجين الأخضر والطاقة النظيفة.
تابع المتحدث: «التحالف في هذا القطاع الحيوي يعني توطين صناعة الألواح الشمسية في الجزائر، وتطوير تقنيات تخزين الطاقة، ممّا يسمح للبلدين الصديقين، بضمان أمنهما الطاقوي المستقبلي، والتّحوّل إلى مصدّرين رئيسيّين للهيدروجين الأخضر نحو أوروبا، عبر الاستفادة من شبكة الأنابيب الضّخمة والحديثة التي تربط بلد الشّهداء بالقارّة العجوز».
نقل السّياحة إلى الاستثمار المنتج
يعتقد الدكتور هادف، أنّ السّياحة رافعة اقتصادية خامدة ولم تُستغل بعد بكامل طاقتها في هذا المحور، خاصة وأنّ الجزائر تزخر بتنوع جغرافي ومناخي نادر (2000 كلم من السواحل، وسياحة جبلية وصحراوية فريدة من نوعها)، وهي بحاجة إلى «هندسة سياحية» حديثة تعتمد على تجربة السعودية الناجحة في تطوير «السياحة المستدامة»، وإنشاء المدن السياحية الكبرى مثل مشروع البحر الأحمر. كما يمكن للخبرة السعودية في إدارة المنشآت الفندقية العالمية والترويج السياحي الرّقمي، وفقا لهادف، أن تندمج مع القدرات الطبيعية الجزائرية لخلق وجهات سياحية مفضّلة تستقطب ملايين السّياح سنوياً، منوّها أنّ الاستثمار في البنية التحتية السياحية المشتركة هو استثمار في قطاع يوفر آلاف مناصب الشغل، ويدعم ميزان المدفوعات للبلدين.
وأردف الخبير: «إننا اليوم بحاجة إلى الانتقال من التعاون القطاعي المشتّت إلى رؤية تكاملية شاملة، تضع نصب أعينها التحوّلات العالمية الكبرى. فبناء سلاسل قيمة مشتركة بين شمال إفريقيا والخليج العربي هو الرّد الأمثل على تذبذبات الأسواق العالمية، وهو الضمانة الوحيدة لتحويل تقاطع الرؤى إلى رخاء اقتصادي مستدام، تلمسه الأجيال الحالية والقادمة في كلا الدولتين الشقيقتين».

