رؤية استشرافية لمستقبل الولايات الأقل نموا
إعادة توجيه السياسات العمومية نحو معالجة أعمق وأكثر شمولا
في قراءة تحليلية للمسار التنموي الراهن، أكّد الخبير الاقتصادي عبد القادر بريش، أنّ الجزائر تشهد تحولا عميقا في فلسفة إدارة الشأن التنموي، بحرصها القائم على تكريس التوازن عبر جميع ولايات وجهات الوطن. وأوضح أنّ التوجيهات الّرئاسية الرامية إلى إعداد برامج تكميلية لفائدة الولايات الأقل تنمية، لاسيما الولايات المستحدثة، تعكس إرادة سياسية واضحة لتجاوز أي اختلالات مسجّلة وفق نظرة بعيدة المدى، ترسّخ مبدأ التنمية الشاملة والمتوازنة.
شدّد الدكتور بريش على أنّ هذه المقاربة الجديدة لا تستهدف فقط سد الفجوات التنموية، بل تهدف إلى بناء نموذج وطني متكامل، يجعل من تحسين جودة الحياة وتعزيز التكافؤ بين مختلف مناطق الوطن أولوية سيادية، تحقّق استدامة النمو الاقتصادي والاجتماعي.
وقال الخبير الاقتصادي عبد القادر بريش، إنّ توجيه السيد رئيس الجمهورية للحكومة بإعداد برامج تكميلية جديدة لفائدة الولايات الأقل تنمية، لاسيما الولايات المستحدثة مؤخّرا، يعد خطوة استراتيجية تحمل دلالات عميقة في مسار الإصلاح التنموي.
فهذه المبادرة، برأيه، تعكس تحولا نوعيا في فلسفة السياسات العمومية، حيث أصبحت معالجة الاختلالات التنموية تقوم على رؤية هيكلية شاملة تكرّس مبدأ العدالة التنموية لجميع الولايات والمناطق، وتؤسّس لتنمية قائمة على الحقوق، تضمن تكافؤ الفرص وتعزّز التوازن الجهوي بشكل مستدام.
أكّد الدكتور بريش، أنّ التحولات الاقتصادية والديمغرافية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية، أفرزت فجوات تنموية ملموسة بين عدد من الولايات، تجلّت في تفاوت مستوى الخدمات العمومية، ونقص في بعض البنى التحتية الأساسية، إلى جانب اختلالات في الولوج المتكافئ إلى المرافق الحيوية، خاصة بالمناطق ذات الخصوصيات الجغرافية والولايات المستحدثة.
غير أنّ هذا الواقع، برأيه، شكّل منطلقا لإعادة توجيه السياسات العمومية نحو معالجة أعمق وأكثر شمولا لهذه الاختلالات. وفي هذا السّياق، قال الخبير أنّ البرامج التكميلية تبرز كآلية استدراك فعّالة لتدارك التأخّر التنموي، إذ تهدف إلى إدماج هذه المناطق ضمن الديناميكية الوطنية للنمو، من خلال تمكينها من مقوّمات التنمية الأساسية وتعزيز جاذبيتها الاقتصادية والاجتماعية.
ويعد قرار الشروع في إنجاز محطتي تحلية المياه بكل من تامنغست وتندوف، مثالا معبرا عن هذا التحول النوعي؛ فهو لا يقتصر على تلبية احتياجات آنية، بل يعكس رؤية استراتيجية تجعل من الأمن المائي ركيزة أساسية للرفاه الاجتماعي والتنمية المستدامة. فالماء، باعتباره حقا تنمويا جوهريا، يمثل شرطا حاسما لاستقرار السكان وتحسين جودة الحياة واستقطاب الاستثمارات، بما يرسّخ مبدأ العدالة في توزيع فرص التنمية بين مختلف جهات الوطن، ويعزّز التكامل بين شماله وجنوبه.
وأوضح الخبير، في السّياق ذاته، أنّ هذه المشاريع تعكس وعيا متقدما بأن تحقيق التوازن التنموي لا ينفصل عن الارتقاء بنوعية الخدمات العمومية، والانتقال من منطق الاكتفاء بتوفير الحد الأدنى إلى تبني معايير الجودة والنجاعة والاستمرارية. فالتنمية العادلة، كما أشار، لا تقاس بحجم الاعتمادات المالية المرصودة فحسب، بل بمدى انعكاسها الملموس على الحياة اليومية للمواطن، وبقدرتها الفعلية على تقليص الفوارق الاجتماعية والجهوية.
وأضاف الخبير في استعراض رؤيته، أنّ البرامج التكميلية الموجهة للولايات الأقل تنمية تجسّد في جوهرها تحوّلا نوعيا نحو سياسات عمومية قائمة على الحقوق، حيث ينظر إلى الصّحة والتعليم والماء والنقل والسكن والخدمات الأساسية، باعتبارها حقوقا متكافئة لكل الجزائريّين، وليست امتيازات مرتبطة بالموقع الجغرافي أو بالثقل الاقتصادي المحلي “أنها مقاربة تؤّسس لمبدأ المواطنة المتساوية، وتعّزز الشعور بالانتماء والعدالة بين مختلف ولايات الوطن”.
ويرى الخبير أنّ هذه الرؤية تؤكّد أنّ التنمية العادلة والمتوازنة لم تعد خيارا ظرفيا، بل أصبحت رهانا استراتيجيا في مسار معبّد وواعد لبناء دولة قوية ومتطورة، قادرة على معالجة أي اختلال بثقة ومسؤولية، وضمان رفاه اجتماعي مستدام وجودة حياة أفضل لكل المواطنين، في إطار الإنصاف والتكامل وتكافؤ الفرص، عبر كامل التراب الوطني.
وفي ضوء هذه الديناميكية المتجدّدة، أبرز بريش أنّ الجزائر اليوم أكثر عزما على تحويل مبدأ التوازن الجهوي إلى واقع تنموي ملموس وراسخ. فالبرامج التكميلية والمشاريع الهيكلية التي أطلقت لفائدة الولايات الأقل تنمية، تعكس إرادة دولة تدرك أنّ قوتها الحقيقية تكمن في انسجام جميع ولاياتها وتكافؤ فرصها.
ومعالجة أي فوارق اقتصادية قد تسجّل بين الولايات، لم تعد رهينة مقاربات ظرفية، بل أصبحت جزءا من رؤية استراتيجية شاملة تسعى إلى بناء اقتصاد وطني متماسك، يضمن توزيعا عادلا للثروة ويعزّز اندماج مختلف المناطق والولايات.
ومن هذا المنطلق، تؤكّد الجزائر من خلال خياراتها التنموية أنها ماضية بثبات نحو إنهاء أي اختلالات قد تذكر، وترسيخ عدالة تنموية حقيقية، قوامها الاستثمار المتوازن، وتحسين جودة الخدمات، وتمكين كل منطقة من مقوّمات النهوض الذاتي. إنها مسيرة تؤسّس لمرحلة جديدة عنوانها الإنصاف والتكامل والتنمية المشتركة، في إطار دولة قوية بإرادتها، وطموحة في بناء مستقبل مشرق.


