مقاربات إبستيمولوجية في فكر فوكو وباومان وهيرمينوطيقا النّص
نظّم مخبر الدّراسات الأدبية والنقدية بقسم اللغة العربية وآدابها، كلية الآداب واللغات بجامعة البليدة 2، ندوة علمية وطنية موسومة بـ: “سؤال المنهج والنظرية من النقد الحداثي إلى النقد ما بعد الحداثي”، بمشاركة نخبة من الأساتذة والباحثين من مختلف جامعات الوطن.
جاءت هذه النّدوة في سياق مساءلة العلاقة المعقّدة بين النظرية النقدية وتحولات المعرفة، كما تشكّلت ضمن تعقيدات الحداثة وتحولات ما بعد الحداثة، حيث طرحت إشكالية سؤال المنهج بوصفه فضاء للتفاعل بين النص والسياق، ومن جهة أخرى إعادة التفكير في موقع النظرية ودورها داخل الممارسة النقدية المعاصرة.
تناول الدكتور يوسف مقران من جامعة تيبازة في مداخلته المعنونة بـ “جدلية المعرفة والسلطة من منظور ميشال فوكو”، تفكيك العلاقة الجدلية بين المعرفة والسلطة في فكر فوكو، من خلال مساءلة مفارقة البينية والاحتكار التي تميز ممارسات السلطة في المجتمعات الحديثة. وانطلق الباحث من نقد التصورات الكلاسيكية التي تفصل بين المعرفة والسلطة، ليبين أن كليهما يتشكّل داخل شبكة واحدة من الخطابات والممارسات.
كما استعرض مفاهيم أسهمت في الكشف عن الشروط التاريخية والاجتماعية لإنتاج الحقيقة مثل الإبستيمي، والحفر الأركيولوجي، والجينالوجيا، ليخلص في النهاية إلى أن مشروع فوكو لا يقدم تصورا قدريا مغلقا للسلطة، بل يفتح أفقا نقديا يسمح بمساءلة أنظمة الحقيقة السائدة.
من جهته، قدّم الدكتور توفيق شابو من جامعة البليدة 2 مداخلة بعنوان “أفول النظرية أو المابعدية بوصفها تجاوزا”، توقف فيها عند سياق تشكل الحداثة، مبرزا أن صعود النظرية ارتبط بهذا السياق بوصفها أداة لفهم العالم وتنظيمه، من خلال مركزية العقل والإيمان بالتقدم وتعظيم السرديات الكبرى المتمثلة في العلم والتاريخ وروح التقدم، واعتبر أن النظرية أصبحت التعبير الأوضح عن الروح الحداثية، غير أن هذه الإبستيمات أنتجت عقلا أداتيا أساسه السيطرة، حيث استخدم العقل لتبرير الهيمنة والاستغلال، وخدم العلم المؤسسة والسلطة أكثر ممّا خدم الإنسان. ويرى المتدخّل أن صعود المابعدية، المتمثل في ما بعد الحداثة، كان ردا على إخفاق مشروع الحداثة وإعلانا لأزمة في فكرة النظرية، تحول فيها اليقين إلى ارتياب، والحقيقة إلى تشكيك في المعنى، ليخلص إلى سؤال جوهري: هل انتهى دور النظرية أم أنها انحرفت عن أسئلتها الأساسية؟
وفي مداخلة الدكتور عبد الحفيظ ملواني من جامعة البليدة 2 بعنوان “الهيرمنيوطيقا الأدبية: الخلفيات والمقاصد”، عرض سياق تشكل النظرية الهيرمنوطيقية، مبرزا أهم أعلامها وتحولاتها التاريخية، كما ركز ملواني، على الأسس الرئيسية في الفهم الهيرمنوطيقي مثل المعرفة واللغة والظاهرة الأدبية. وأثار سؤالا جوهريا يتعلق بالحاجة إلى الهيرمينوطيقا أو، بصياغة أخرى، الحاجة إلى التأويل، معتبرا أن الهيرمينوطيقا تمثل الأساس المنهجي للفهم. كما توقف عند فكرة نزع الأسطرة، مؤكدا في السياق ذاته، أنها في حقيقتها ممارسة تأويلية وليست إلغاء للمعنى.
من جانبه قدّم الدكتور عمر برداوي، مداخلة بعنوان “الحداثة الشعرية والتأويل: مقاربة في نصوص الشعر المعاصر”، بحث فيها علاقة النصوص الشعرية الحداثية بمسألة التأويل والفهم، وربط المنهج بالنص الشعري من خلال سؤال تلقي الشعر المعاصر: هل هي أزمة قارئ أم أزمة نص؟ وللإجابة عن هذا الإشكال، قام الباحث بتحليل نص شعري لأدونيس، مبرزا مستويات المعنى فيه، ليخلص إلى أن شعرية النص مسألة تكرارية في التأويل، وأنّ تعقيد النص الحداثي يستوجب قراءة معمقة تستند إلى مرجعية معرفية وثقافية ونقدية واسعة.
وفي مداخلته الموسومة بـ “أشكال الكتابة ما بعد الحداثية في السرد المعاصر”، انطلق الدكتور محمد بلعزوقي من جامعة البليدة 2 من مفاهيم ما بعد الحداثة ومرتكزاتها القائمة على تشتيت المعنى واللامركزية والعدمية، ثم انتقل إلى عرض نماذج سردية وإن لم تصنف نقديا ضمن ما بعد الحداثة، إلا أنها تختزل أطروحاتها، مثل رواية “اللجنة” لصنع الله إبراهيم، ورواية “إيكادولي” لحنان لاشين.
أمّا الدكتورة غربي ويزة، فقدّمت مداخلة بعنوان “الحداثة السائلة ونبذ النماذج الصلبة”، تناولت فيها مفهوم السيولة الذي أسسه عالم الاجتماع البولندي زيغمونت باومان كمصطلح بديل لمرحلة ما بعد الحداثة، حيث اعتبر أنّ السمة الأساسية لهذه المرحلة هي السيولة، حتى أصبح الثابت الوحيد هو التغير، بعد أن كانت الحداثة قائمة على نماذج صلبة في الفكر والقيم والمبادئ. وبيّنت غربي، أن هذه السيولة أثرت في الأدب فصار النص الأدبي يتجاوز البنية التقليدية، وظهرت أشكال جديدة قائمة على التجريب والنصوص الرقمية التفاعلية. كما لفتت إلى تغير الموضوعات لتشمل الهجرة والمنفى واللجوء والتهميش واليومي والمبتذل والعنف. ولم يبق النقد بمنأى عن هذه التحولات، حيث أوضحت الدكتورة أن مفهوم السيولة أعاد تشكيل الخطاب النقدي ليصبح أكثر استجابة لهذه النصوص المفككة، وأقل انشغالا بالنماذج الثابتة، وأكثر اهتماما بالتحول والهشاشة وتعدد القراءات.




