لا شكّ أنّ الكتابة تمثّل الجزء الأكبر في دعم القضية الفلسطينية في جميع مجالاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إذ لم تكن يومًا مجرّد حبرٍ على ورق، بل كانت فعل مقاومة، وصوت شعبٍ حُرم من أبسط حقوقه.
أدّت الكتابة دورًا بالغ الأهمية في وصف المعاناة التي يعيشها الشعب الفلسطيني على مدار سنوات الاحتلال الصهيوني، وما سبقه من الانتداب البريطاني وغيره من أشكال الاستعمار. فكانت الكلمة الفلسطينية شاهدًا حيًّا على الجراح المفتوحة، وذاكرةً عصيّة على النسيان.
برز في هذا السياق أدباء فلسطينيّون حملوا وطنهم في نصوصهم، ونحتوا من جدران الأوراق وطنًا يتكئ على الألم، ويحمل معاناة فلسطين على أكتاف الحروف، لينثر رمادها ووجعها في جميع أرجاء العالم. فلم تكن كتاباتهم وصفًا عابرًا للأحداث، بل شهادة تاريخية وأدبية تحفظ حق الشعب الفلسطيني في الذاكرة الإنسانية.
وقد تناول عدد من هؤلاء الأدباء حالة اللجوء الفلسطيني في عامي 1948 و1967 بأساليب نادرة ومؤثرة، حتى بدا وكأن الحرب تسكن كلماتهم لا مؤلفاتهم فقط. ومن أبرز هؤلاء المثقف والمناضل غسان كنفاني، الذي اغتيل شهيدًا بسبب قلمه وموقفه، إلى جانب الشاعر إبراهيم طوقان وشقيقته فدوى طوقان، اللذين شكّلا مع غيرهما وجدانًا وطنيًا صلبًا. كما لا يمكن إغفال رواية “الطنطورة” للكاتبة رضوى عاشور، التي جاءت ضمن الأعمال الأدبية الأكثر جمالًا وصدقًا، وحافظت على الرواية الفلسطينية ورسالة فلسطين الحرة، مؤكدة أن فلسطين كانت وما زالت القضية الأكثر فصاحة في قلوب الروائيين والأدباء.
وإذا ما انتقلنا إلى واقع فلسطين اليوم، نجد أنّها ما تزال تعيش حروبًا دموية متواصلة مع المستعمر الصهيوني، في محاولة مستمرة لطمس الرواية الفلسطينية، ومحو الآثار التي تدل على مصداقية أن فلسطين أرض الشعب الفلسطيني. وما يُتداول من روايات دينية مستندة إلى التوراة المحرّفة، ما هي إلا أوراق كتبها أحبار اليهود، في سياق مشروع استعماري يعيث في الأرض فسادًا ودمارًا، منذ أن أقدم وعد بلفور على تشكيل ما سُمّي وطنًا قوميًّا لليهود في فلسطين، ومنذ ذلك الحين لم تجفّ الدماء الفلسطينية.
وأمام هذا الواقع القاسي، لم يكن أمام الشعب الفلسطيني الأعزل أي خيار سوى النهوض بالكتابة والثقافة من جديد، للحفاظ على الرواية الفلسطينية، ورسم معاناة الإنسان الفلسطيني، لا سيما في قطاع غزة، الذي قدّم آلاف الشهداء منذ السابع من أكتوبر وحتى يومنا هذا، في مشهدٍ يعكس حجم الجريمة المستمرة بحق الشعب الفلسطيني، ويؤكد الحاجة الملحّة إلى توثيق هذه المرحلة بالكلمة الصادقة.
كما ساهمت الكتابة في القضية الفلسطينية في استرجاع مسمّيات الأراضي المحتلة التي سعى المستعمر الصهيوني إلى طمسها، عبر تهجير أهلها الأصليين، ومحو معالمها التاريخية، وبناء المستعمرات على أنقاضها، وجلب مئات المستوطنين إليها، في محاولة لفرض واقعٍ زائف يُراد له أن يُصدّق على أنه حقيقة. فجاء الأدب ليعيد للأرض أسماءها، وللأماكن ذاكرتها، وليؤكد أن فلسطين لا تُمحى بتغيير اللافتات.
وتكمن أهمية الكتابة الفلسطينية أيضًا في دورها التوعوي، إذ تسهم في تزويد الأجيال الجديدة بفكرة الكتابة المرتبطة بالقضية الفلسطينية، ورسم طريق النجاة لهم، وتحرير عقولهم من الفكر الصهيوني الذي يسعى إلى بتر فلسطين وتفكيكها، عبر خلق ما يلهي عن القضية وسحقها ثقافيًا ومعنويًا. ويتجلى هذا الخطر بشكل خاص لدى الفلسطينيين في الداخل المحتل، الذين فُرضت عليهم اللغة العبرية، وتعرّضوا لتغييب العادات والتقاليد الفلسطينية، بما أحدث زعزعة في الفكر والهوية (إلا من رحم ربك).
وفي الختام..
يمكن القول إنّ الأدباء الفلسطينيّين لم يكونوا مجرّد أسماء عابرة في سجل الأدب، بل كانوا حُرّاسًا للذاكرة الوطنية، حافظوا عليها من محاولات التهويد والطمس، وشكّلوا سدًّا منيعًا في وجه التزييف، ودرعًا صلبًا في الدفاع عن كل ما يمسّ القضية الفلسطينية. وستبقى الكتابة الفلسطينية فعل مقاومة، وتظلّ الرواية الفلسطينية حقيقة لا تزول، ما دام هناك قلم يكتب، وقلب ينبض بحبّ فلسطين.






