أكد المهندس الخبير في الأمن الغذائي والمائي كريم حسن، أن مشاريع تصفية المياه في الجنوب الجزائري لم تعد مجرد حلول تقنية، بل أصبحت تندرج ضمن الرؤية الاقتصادية الوطنية كرافعة استراتيجية للتنمية المستدامة، تهدف إلى تنويع مصادر المياه ودعم الاقتصاد غير النفطي.
وأوضح الخبير حسن أن محطات التحلية والتصفية أنتجت في عام 2025 أكثر من 256 مليون م³ من المياه، وهو ما غطى نحو 42 بالمائة من احتياجات الشرب الوطنية، وقلل بشكل ملموس الاعتماد على الاستيراد المائي، مشيرا إلى أن القدرة الإنتاجية للمحطات الكبرى تصل إلى 300 ألف م³ يوميا، مما يسمح لولايات الجنوب بتحقيق نمو اقتصادي متوازن يتراوح بين 4-5% سنويا، مدعوما ببرامج استغلال المياه الجوفية المالحة عبر وحدات متنقلة في تمنراست وبسكرة.
وأبرز حسن الدور الجوهري لهذه المشاريع في تعزيز الاستقرار الاجتماعي وتثبيت السكان، حيث ساهم توفر المياه الصالحة للشرب في تحسين نوعية الحياة وتقليل انقطاعات التزود، مستدلا بمحطة بشار التي تنتج 18 ألف م³ يوميا.
أما اقتصاديا، فيرى كريم حسن أن ضمان السيادة المائية رفع من جاذبية الاستثمار في الزراعة والصناعات التحويلية، مع توقعات بزيادة الاستثمارات الأجنبية في الجنوب بنسبة 25 بالمائة بحلول عام 2027، ناهيك عن استحداث آلاف الوظائف التي حولت الجنوب إلى قطب استثماري ناشئ بامتياز.
ويجزم المتحدث، بأن الأمن المائي يعد العامل الحاسم بنسبة 70 بالمائة في تحقيق التنمية المستدامة بالجنوب، كونه يقلل من حدة الإجهاد المائي الذي يصل إلى 80 بالمائة في بعض الأحواض الجوفية الصحراوية، موضحا أن الإنتاج الإجمالي الذي يفوق 3.7 ملايين متر مكعب يوميا من خلال 19 محطة، يضمن استدامة التنمية لأكثر من 10 ملايين نسمة، هذا التوجه يدعم نمو الزراعة بنسبة 15-20 بالمائة سنويا، ويخفف الاعتماد الكلي على المياه الجوفية بنسبة 40 بالمائة، مما يعزز الاستقرار الاقتصادي طويل الأمد بعيدا عن تقلبات قطاع الهيدروكربونات.ويوضح المهندس كريم حسن أن محطات التصفية تمثل خيارا فعالا بنسبة 85% لضمان الأمن المائي، خاصة مع استخدام الوحدات المتنقلة لتحلية المياه الجوفية المالحة (بتركيز 10-20 غ/لتر) بتكلفة اقتصادية أقل من تحلية مياه البحر، مشيرا إلى أن كفاءة هذه المحطات تصل إلى 90 بالمائة في الإنتاج اليومي، وقد نجحت في تغطية 50 بالمائة من العجز المائي الإقليمي في ولايات مثل بشار وبسكرة، مما يجعلها حلولا استراتيجية لمواجهة ندرة المياه المتزايدة، رغم التحديات البيئية التي لا تزال قيد المعالجة.
واستعرض المهندس كريم حسن التحديات التقنية المرتبطة بهذه المشاريع، وفي مقدمتها ارتفاع تكاليف الطاقة التي تتراوح بين 4-5 كيلووات ساعة/م³، والحاجة لصيانة مستمرة ترفع التكاليف التشغيلية بنسبة 30 بالمائة.
أما بيئيا، حذر كريم حسن من خطورة «الرجيع الملحي» الذي قد يقلل الأكسجين المذاب في البيئة بنسبة 20-30%، ولذلك شدد على ضرورة الاعتماد على الطاقة المتجددة كحل استراتيجي لتقليل التأثيرات البيئية بنسبة 40 بالمائة بحلول عام 2027، وضمان استمرار العملية الإنتاجية بكفاءة عالية وبأقل ضرر ممكن على النظم البيئية الصحراوية.وأوضح أن هذه المحطات ستخفف الضغط على الموارد الجوفية بنسبة تتراوح بين 40-50 بالمائة، وهو إنجاز حيوي نظرا لأن الجنوب يعتمد على مياه أحفورية غير متجددة، مستعرضا مفارقة إحصائية، حيث يسحب حاليا 2.4 مليار م³ سنويامقابل تجدد 1.9 مليار م³ فقط في الشمال.
ومن هنا، يرى كريم حسن أن توفير 18 ألف م³ يوميا في بشار من مصادر بديلة، يوفر ملايين الأمتار المكعبة الجوفية سنويا، مما يحمي الأحواض الصحراوية من الاستنزاف الجائر ويدعم سياسة الدولة في ترشيد الموارد الوطنية.
وطمأن كريم حسن الرأي العام بشأن جودة المياه المنتجة، مؤكدا أنها تخضع لتحاليل صارمة على مدار 24 ساعة في المختبرات المركزية والعملياتية، مع أخذ عينات ميدانية مستمرة للكشف عن أي تلوث، مشيرا إلى أن المياه المنتجة صحية بنسبة 100 بالمائة وفقا للمعايير الوطنية والدولية، وذلك بفضل استخدام أنظمة التصفية الثلاثية والمراقبة المستمرة، كما أوضح أن استمرارية الإنتاج مضمونة عبر وحدات متنقلة للطوارئ واحتياطيات تقنية تمنع انقطاع هذا المورد الحيوي عن المواطنين والمستثمرين.
ودعا كريم حسن إلى تعميم هذه التجربة بنسبة عالية تصل إلى 90 بالمائة على ولايات جنوبية أخرى مثل المغير، تقرت، ووادي سوف بحلول عام 2026، مشيرا إلى أن أوامر رئيس الجمهورية بمخطط التعميم الذي يشمل الساحل والجنوب، ستضيف إنتاجاً يصل إلى 50 ألف م³ يوميا لكل وحدة جديدة، مؤكدا أن نجاح نموذج «بشار» هو حجر الزاوية لتكرار التجربة وضمان الأمن المائي لـ 10 ملايين نسمة في الجنوب، محققاً بذلك السيادة الوطنية الشاملة والنهضة الاقتصادية المنشودة.






