تعد الفنون المحرّك الجوهري لتحقيق الاستدامة الشاملة، حيث تتجاوز قيمتها الجمالية لتصبح أداة استراتيجية في التغيير البنيوي. وإذا ما اعتمدنا رؤية تحليلية تجعل من الثقافة والابتكار ركيزة لا غنى عنها لضمان مستقبل بشري متوازن، سيكون بإمكاننا تلخيص دور الإبداع في ثلاث مسارات محورية: المسار الأول هو تنشيط الاقتصاد الإبداعي كبديل للموارد التقليدية، والمسار الثاني هو توظيف الفن كآلية لتعديل السلوك البشري تجاه البيئة، أما المسار الثالث فيتعلق بتعزيز السلم والصمود المجتمعي.
في ظل الأزمات العالمية المتلاحقة، تبرز الحاجة الملحة لمقاربات تتجاوز الحلول التقنية الصرفة نحو آفاق إنسانية أكثر رحابة.
يمتلك الفن، بصفته لغة عالمية، القدرة على تفكيك تعقيدات الواقع وإعادة صياغتها ضمن قوالب ملهمة تحفز الوعي الجمعي. هذا الدور الحيوي يفرض علينا فحص الأسس المعرفية التي تربط الإبداع بالاستدامة، مما يقودنا بالضرورة إلى مراجعة شاملة للمفاهيم السائدة، والبدء فعليا في عملية إعادة تعريف دور الثقافة.
إعـادة تعريــف دور الثّقافـة في المنظومــة التّنمويـة
لفترة طويلة، نُظر إلى الفنون والأنشطة الثقافية كـ “كماليات” ترفيهية تأتي في مرتبة تالية للاقتصاد والبيئة. ومع ذلك، أثبتت التجربة التنموية المعاصرة أن غياب البعد الثقافي كان السبب الرئيس لفشل العديد من المشاريع الاقتصادية والتقنية.
وليس الفن مجرد أداة للتعبير، بل هو وسيط معرفي وقوة اقتصادية قادرة على إعادة صياغة علاقة الإنسان بمحيطه. من أجل ذلك، سنسلط الضوء على إشكالية دور الفنون في تحقيق التنمية المستدامة، خاصة باعتبارها “العمود الفقري الرابع” للاستدامة، حيث تلعب الفنون دورا محوريا في تغيير الوعي الجمعي، وتحريك الاقتصاد الإبداعي، وتعزيز الصمود المجتمعي.
الاقتصــاد الإبداعـي كبديــل تنمـوي للمـوارد النّاضبــة
تتجه التنمية المستدامة نحو تقليل الاعتماد على الموارد الطبيعية الناضبة، وهنا تبرز “الصناعات الإبداعية والثقافية” كأحد أسرع القطاعات الاقتصادية نموا في العالم.
وفقا لتقارير اليونسكو ومؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، يسهم الاقتصاد الإبداعي بحوالي 3 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ويوفر ملايين فرص العمل، خاصة للشباب والنساء.
ويحقّق الاستثمار في الفنون “النمو الاقتصادي الشامل” (الهدف الثامن من أهداف التنمية المستدامة)، من خلال تحويل الأفكار والمهارات الثقافية إلى سلع وخدمات ذات قيمة مضافة عالية. على سبيل المثال، نجد أن مدنا مثل برلين أو سيول قد أعادت بناء هويتها الاقتصادية بالكامل اعتمادا على الفنون البصرية، الموسيقى، والتصميم. هذا النوع من الاقتصاد يتميز بكونه “نظيفا” بيئيا، حيث يعتمد على رأس المال البشري والإبداع الذهني، وهو مورد متجدّد لا ينضب بالاستهلاك، بل ينمو بالمشاركة.
علاوة على ذلك، تسهم السياحة الثقافية المرتبطة بالفنون في الحفاظ على المواقع التراثية، وتوفير دخل مستدام للمجتمعات المحلية دون الإضرار ببيئتها الطبيعية، وتبرز السياحة الثقافية كرافد استراتيجي يربط صون التراث بالنمو المحلي، فالفنون لا تحافظ فقط على الهوية، بل تحول المعالم التاريخية والحرف التقليدية إلى موارد اقتصادية مستدامة تخلق فرص عمل مباشرة للمجتمعات المحلية، وهو ما يضمن تدفقا ماليا يحترم الخصوصية البيئية والاجتماعية دون استنزاف.
الفن كآليــة للتّحوّل السّلوكـي وبنـاء الوعـي البيئـي
من أكبر معيقات التنمية المستدامة “المقاومة النفسية” للتغيير السلوكي تجاه البيئة، وهنا يأتي دور الفن في “أنسنة” البيانات العلمية الجافة، فالعلم يخبرنا بالأرقام عن ذوبان الجليد، لكن الفن يجعلنا “نشعر” بفداحة الخسارة.
وقد ظهر مفهوم “الفن البيئي” (Eco-art) و«الفن المستدام” كأدوات نقدية وتوعوية قوية، وكمثال نذكر العمل الشهير “ساعة الجليد” للفنان الدانماركي الآيسلندي أولافور إلياسون الذي تعاون مع عالم الجيولوجيا مينيك روزينغ لنقل كتل جليدية حقيقية من القطب الشمالي إلى الميادين العامة، متيحا للجمهور لمس أثر التغير المناخي بشكل مباشر وحسي، وهذا النوع من التواصل الفني يكسر حواجز اللامبالاة ويخلق ما يسمى “المواطنة البيئية”.
بالإضافة إلى ذلك، يلعب الفن دورا تعليميا حاسما (الهدف الرابع: التعليم الجيد) من خلال دمج الفنون في المناهج التعليمية لتحفيز “التفكير المنظومي” و«الخيال الاستباقي”. ويتجسد هذا التكامل في التحول المعرفي من منهجية STEM (نظام تعليمي يجمع بين أربع تخصصات محورية هي العلوم، التكنولوجيا، الهندسة، والرياضيات) إلى STEAM (إضافة الفن)، حيث يمثل دمج الفنون مع العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات ضرورة تقنية، فالفن يمنح المهندسين والعلماء القدرة على التفكير التصميمي والابتكار خارج الأطر التقليدية، ما يؤدي إلى تطوير حلول تقنية للاستدامة تكون أكثر مرونة وقبولا لدى المستخدم البشري.
وبواسطة التصميم المستدام (Sustainable Design)، يسهم الفن أيضا في ابتكار منتجات وعمارة خضراء تقلل من البصمة الكربونية، وهو ما يربط الجمال بالوظيفة البيئية في انسجام تام.
ولعل هذه القدرة على تخيل مستقبل مستدام هي الخطوة الأولى نحو بنائه، والفنون هي المختبر الذي يُصاغ فيه هذا الخيال.
تعزيــز السّلـم الاجتماعي والصّمـود في وجه الأزمـات
لا يمكن تحقيق التنمية في مجتمعات تفتقر إلى التماسك الاجتماعي أو تعاني من التهميش، وتعمل الفنون كأداة قوية للإدماج الاجتماعي (الهدف العاشر: الحد من أوجه عدم المساواة) وبناء السلام (الهدف السادس عشر)، فالفن في جوهره لغة عابرة للحدود واللغات، يمتلك القدرة على منح “صوت لمن لا صوت لهم”.
في المناطق المتضرّرة من النزاعات أو الكوارث الطبيعية، أثبتت “الفنون المجتمعية” قدرتها على ترميم النسيج الاجتماعي وتحقيق الشفاء النفسي الجماعي. ففي كولومبيا أو رواندا، استخدمت مشاريع “الفن من أجل السلام” المسرح التفاعلي والموسيقى لفتح قنوات الحوار بين أطراف النزاع السابقة.
ومن منظور الدراسات الثقافية، نجد أنّ استعادة الهوية الثقافية من خلال الفنون المحلية تعزز من “الصمود المجتمعي”(Social Resilience)، فعندما يعتز المجتمع بتراثه وفنونه، يصبح أكثر قدرة على مواجهة التحديات الخارجية والتحولات الاقتصادية الصعبة.
كما يسهم الفن في تحسين جودة الحياة في المدن المستدامة (الهدف الحادي عشر) عبر “التخطيط الحضري الإبداعي”، فالأماكن العامة التي تحتضن الفنون (جداريات، منحوتات، عروض شارع)، تتحول إلى مساحات للتفاعل الإنساني، فتقلل بذلك من العزلة الاجتماعية في المدن الكبرى وتزيد من معدلات السعادة والرفاه، وهي مؤشرات لا تقل أهمية عن معدلات النمو الاقتصادي في مقياس التنمية الحقيقية.
ولا يقتصر هذا الرفاه على الجانب المادي، بل يمتد ليشمل الصحة النفسية كجزء لا يتجزأ من الهدف الثالث للتنمية المستدامة. ويعمل تفعيل “العلاج بالفن” وتوسيع نطاق الممارسات الإبداعية في الفضاءات العامة على تقليل مستويات التوتر المجتمعي وتحسين الصحة العقلية، ليبني مجتمعات أكثر اتزانا وإنتاجية وقدرة على العطاء المستدام.
الفـن كضـرورة استراتيجيـة لا كخيــار تجميلــي
بناء على ما تقدّم، يتّضح أن الفنون ليست مجرد مرآة تعكس الواقع، بل هي محرك فعال للتغيير نحو الاستدامة. ولعل تحقيق أهداف التنمية المستدامة يتطلب ثورة في “القيم الإنسانية” قبل أن يتطلّب حلولا تقنية، والفن من المجالات القليلة القادرة على قيادة هذه الثورة القيمية. كما أنّ دمج السياسات الثقافية والفنية في خطط التنمية الوطنية لم يعد خيارا تجميليا، وإنما ضرورة استراتيجية لضمان تنمية تتسم بالشمولية، الابتكار، والروح الإنسانية. إن العالم الذي يطمح للاستدامة هو عالم يحتاج إلى الإبداع بقدر حاجته إلى الطاقة النظيفة، فبدون الفن تظل التنمية جسدا بلا روح.






