الدول الإفريقية تواجه ضغوطا تمسّ أمنها الغذائي
يجب الحفاظ على تماسك المجموعة الإفريقية خلال المفاوضات الدولية المقبلـة
الآثار السلبية للتغيّرات المناخية تحوّلت إلى عائق يعرقل التنمية
واقع مؤجّج بالصراعات واتساع رقعة الفقر وتعاظم الفوارق
وجّه رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، أمس الجمعة بأديس أبابا، كلمة للمشاركين في أشغال لجنة رؤساء الدول والحكومات الإفريقية المعنية بالتغيّرات المناخية، ألقاها نيابة عنه الوزير الأول، سيفي غريب. هذا نصها الكامل:
«بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين
أصحاب الفخامة والمعالي رؤساء الدول والحكومات،
السيد رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي،
السيدات والسادة الأفاضل،
يطيب لي في بداية كلمتي أن أعرب عن خالص الشكر والتقدير لفخامة الدكتور «ويليام سامويل روتو»، رئيس جمهورية كينيا الشقيقة، على دعوته الكريمة لعقد هذا الاجتماع الهام. كما أتوجّه بالشكر الجزيل للسيد محمود علي يوسف، رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، على جهوده الدؤوبة في خدمة قضايانا القارية.ولا يفوتني أن أنقل أصدق التهاني للوزير الأول الإثيوبي، السيد أحمد أبيي، بمناسبة استضافة بلاده للدورة الثانية والثلاثين لمؤتمر الاتحاد، متمنّين لهم كل التوفيق ومؤكّدين لهم دعـمنا الكامل.
السيدات والسادة الأفاضل،
لقد تحولت الآثار السلبية للتغيّرات المناخية إلى عائق حقيقي يعرقل مسار التنمية، خاصة في قارتنا الإفريقية التي تواجه شحّا في التمويل اللازم للتكيف مع المناخ، في ظل ارتفاع التضخّم العالمي ووصول مديونية العديد من دولنا إلى مستويات لا تطاق. وهو الواقع الذي صار محرّكا لتأجيج الصراعات واتساع رقعة الفقر وتعاظم الفوارق، لا سيما في البلدان الأقل نموا.
والمفارقة الصارخة تكمن في أنّ إفريقيا، التي لم تساهم تاريخيا إلا بنسبة ضئيلة في الانبعاثات الكربونية العالمية، هي الأكثر معاناة من تبعات التغير المناخي، وفي الوقت نفسه، هي الأقل حصولا على التمويل المناخي اللازم للاستثمار في مشاريع التكيّف والصمود.
بل إننا نواجه اليوم ضغوطا للتضحية بأمننا الغذائي والطاقوي، لتحمل أعباء دول تتنصّل بصرامة من مسؤولياتها التاريخية، متذرعة بأولوياتها الاستراتيجية. ولا يسعنا أن نغفل هنا عن تلك الإجراءات التجارية أحادية الجانب، التي تفتقر إلى أي سند علمي يثبت فعاليتها في مكافحة التغير المناخي، بينما تؤكّد الدراسات آثارها الاقتصادية والمالية المدمّرة على قدرات دولنا النامية في تمويل سياساتها التنموية.
فمن غير المقبول أن نحمل تبعات نزعات حمائية لأطراف خارجية، بينما تتهرّب هذه الأطراف نفسها من مسؤولياتها الواضحة. وما شهدناه خلال الدورة المنصرمة لمؤتمر الأطراف (COP30) من محاولات لإعادة صياغة مبادئ اتفاق باريس، لخير دليل على المنحدر الخطير الذي تسعى بعض الدول المتقدمة إلى دفع اقتصاداتنا إليه.ونؤكّد من هذا المنبر أنّ الوفاء الفعال بالتعهّدات المناخية رهين بتحقيق عدالة مناخية حقيقية، تجسّد مبادئ الإنصاف والمسؤوليات المشتركة، لكن المتباينة، وأن تقود الدول المتقدمة الجهود العالمية بخفض انبعاثاتها، وتوفير الدعم المالي والتكنولوجي الضروري للبلدان النامية، خاصة الإفريقية منها.
كما أنّ تحقيق انتقال طاقوي عادل، وزيادة القدرة على الصمود في مواجهة الصدمات المناخية، يتطلّب آليات تمويلية أكثر مرونة وملاءمة، قادرة على سد فجوة الموارد ومواكبة الأعباء المالية الهائلة، مع مراعاة متطلّبات التنمية المستدامة والمسؤولية التاريخية للاقتصادات المتقدمة في التدهور المناخي الحالي.
السيدات والسادة الأفاضل،
تؤكّد الجزائر على أهمية الحفاظ على تماسك المجموعة الإفريقية خلال المفاوضات الدولية المقبلة، والسعي لتحقيق انتقال عادل يعود بالنفع على جميع دولنا، والابتعاد عن المقاربات الفردية التي تتجاهل حقيقة راسخة في قارّتنا، ذلك أنّ تبنّينا لموقف موحّد هو السبيل الأمثل للدفاع عن مصالحنا المشتركة، وبناء شراكات دولية وإقليمية طموحة، وزيادة التمويلات الموجهة لبلداننا، وتسهيل نقل التكنولوجيا، لمواجهة معضلة المناخ المستعصية.وفي هذا السياق، يجب أن تراعي هذه المقاربة الظروف الوطنية والقدرات المتفاوتة لدولنا، خاصة في ظل التراجع الملحوظ للتمويل الدولي. فبعد الصّعوبات المتزايدة التي تواجهها اقتصاداتنا في المعادلتين المناخية والتجارية، بات من الضروري أن نسلك نهجا يستجيب فعليا لاحتياجاتنا، ويشجّع المبادرات الإقليمية والقارية والتعاون جنوب-جنوب.
وكمساهمة في هذا الجهد القاري، عملت الجزائر على إطلاق مبادرة لإنشاء قوة مدنية إفريقية للتصدي للكوارث الطبيعية، تضمن استجابة فورية وفعالة وتقديم الدعم اللازم للدول المتضرّرة. كما تسعى الجزائر في مجالات الطاقة وإدارة الموارد المائية إلى خلق تناسق وتعاون ثنائي وإقليمي لتعزيز قدرات دول الجوار وتبادل أفضل الممارسات، ومنها مشروع الربط الطاقوي مع دول الساحل، ومبادرة توسيع وتأهيل السدّ الأخضر التي تشمل استصلاح 4.7 مليون هكتار وإعادة تأهيل 500 ألف هكتار، وغيرها من الفرص الهامة لتعزيز استدامتنا ورفاهية شعوبنا.
السيد الرئيس،
لطالما كانت قارّتنا نبعا لا ينضب للثروات، حرمت شعوبها لعقود من خيراتها بفعل سياسات استعمارية عنصرية. وحري بها اليوم أن تتبوّأ المكانة اللائقة بإمكاناتها وتاريخها، في ظلّ نظام دولي متعدّد الأطراف يتطلّع لتحقيق العدالة المناخية ويضمن الحق في التنمية. وتحقيقا لهذا الهدف، يتعين علينا جميعا العمل لئلّا تضيع مكاسب نموّنا في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة. والجزائر، بدورها، على أتم الاستعداد للمساهمة بكل إمكاناتها في تحقيق هذه الغاية النبيلة.
شكرا لحسن الإصغاء
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته».



