يرى الدكتور عبد الجواد عبابو، باحث ومخرج وأكاديمي متخصص في تقاطعات السينما والفلسفة والذكاء الاصطناعي، أنّ الأعمال الفنية قادرة على لعب دور أساسي في صناعة التنمية المستدامة، وتحريك المدن والاقتصاد المحلي، وتعزيز الهوية الثقافية للمجتمع، واشراك الناس في قضاياهم اليومية. وأضاف أنها ممارسة ثقافية ومعرفية تتجاوز الجماليات لتضفي لمساتها على البنى الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع.
أوضح الدكتور عبابو في حديثه لـ “الشعب”، أن “الفن يبني الوعي الجماعي بالقضايا البيئية والاجتماعية، ويحول المفاهيم المجردة للتنمية المستدامة إلى تجارب ملموسة تؤثر في السلوك الفردي والخيال الاجتماعي، ويعزز قيم المسؤولية والتضامن واحترام التنوع. فعلى المستوى الاجتماعي، على سبيل المثال، تفتح الفنون فضاءات للتعبير والمشاركة وتقوي الروابط داخل الجماعات، خصوصا في المجتمعات الهشة، ما يجعلها وسيلة لاستنهاض الهمم التضامنية والتماسك الاجتماعي ودعم التنمية على أسس عادلة ومتوازنة”. وأضاف “وعلى المستوى الاقتصادي، فالفنون والصناعات الثقافية والإبداعية يمكن أن تعمل على خلق فرص عمل، تحفز الابتكار، وتنمي الصناعات الثقافية، مع الحفاظ على القيمة الرمزية والإبداعية للأعمال الفنية”.
وأشار الدكتور إلى أنّ “السينما الجزائرية بما تحمله من رصيد تاريخي ورمزي، يمكن أن تتحول إلى رافعة اقتصادية حقيقية، إذا أدمجت ضمن سياسات ثقافية واضحة تدعم الإنتاج والتوزيع والتكوين، وتفتح المجال أمام المبادرات المستقلة، وهي فضاء حي لإنتاج الوعي الجماعي وتعزيز الهوية الثقافية، بما ينسجم مع البعد الثقافي للتنمية المستدامة القائم على التعريف بالثقافة والسياحة، وحفظ الذاكرة وترسيخ القيم المشتركة، وتشجيع التفكير النقدي لدى الشباب، وهو ما ينعكس إيجابا على جودة التعليم غير النظامي وبناء مجتمع المعرفة”. وتابع “وعلى المستوى الاقتصادي، تشكل دور السينما رافدا للاقتصاد الإبداعي من خلال خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وتنشيط الصناعات الثقافية والسياحة الحضرية بما يعزّز التنمية المحلية المستدامة”.
أما على المستوى البيئي، يقول “فإن إعادة تأهيل دور السينما التاريخية واستخدام وسائل تكنولوجية صديقة للبيئة، يندرج ضمن مقاربة الاستدامة الحضرية، التي تقوم على ترشيد الموارد والحفاظ على التراث العمراني”. وفي السياق، أشار الدكتور عبابو إلى أنه أخرج فيلمين: “كوكليكو” الذي حاز على جائزة رئيس الجمهورية علي معاشي عام 2017، وفيلم “العامل”، الذي “يعتبر دراما اجتماعية تروي أحداث شخص يتعلق بكل ما هو قديم ويحاول ترميمه، متجاهلا التطورات التكنولوجية في المجتمع”. ويرى المخرج عبابو أن فيلم “كوكليكو” يبرز جماليات الطبيعة الجزائرية، مما يسهم في الترويج للمناطق النائية ويزيد من جاذبيتها السياحية. كما يشير الدكتور إلى أن “المخرج المستقل، من خلال تصويره في أماكن غير معروفة، يساهم في إبراز جمالية المكان، ويسلط الضوء على المناطق الظلية التي تحتاج إلى تنمية وتطوير”. أما فيلم “العامل”، فيركز على تأثير التحولات الاجتماعية والتكنولوجية على الإنسان، وهو قصة مستلهمة من روائع “نيكولاي غوغول”. ويسلط الضوء على أهمية الحفاظ على التراث في وجه التطور المتسارع، كما أن الفيلم يعكس قضايا اجتماعية مهمة، ويساهم في دفع المجتمع إلى التفكير في ضرورة التوازن بين الماضي والحاضر.
ولفت عبابو إلى أنّ “الفعاليات الفنية في الجزائر تظهر هذا التأثير بالفعل، مثل مهرجان عنابة للفيلم المتوسطي الذي يستضيف أفلاما من أكثر من 20 دولة، ويجمع صناع السينما والجمهور في نهاية كل سنة. هذا المهرجان يعيد الحياة للمدينة ويخلق حركة في المطاعم والفنادق والمقاهي، كما يوفر منصة لصناع الأفلام الشباب لحضور ورشات واكتساب خبرات، ويحفز التواصل بين الفنانين والجمهور، وينشط الحركة الثقافية والسياحية”.
وأوضح الدكتور عبابو أن الفنون في الجزائر “أصبحت جزءا من جهود الدولة لدعم الاقتصاد الثقافي والإبداعي، حيث أطلقت وزارة الثقافة مبادرات وبرامج تهدف إلى تمكين الفنانين ورواد الأعمال المبدعين، مثل برنامج “Moubadar Art”، الذي ينظم بالشراكة مع المنظمة العالمية للملكية الفكرية لتدريب ودعم المشاريع في الصناعات الإبداعية، وتشجيع تحويل الإبداع إلى مشاريع اقتصادية قابلة للاستدامة، كما تم الإعلان عن حاملي مشاريع مبتكرة في الصناعات الثقافية ضمن الطبعة الثانية لبرنامج “مبادرة آرت”، لتشجيع الاستثمار في مجالات الثقافة والمساهمة في التحول الاقتصادي للجزائر”، كما أعيد مؤخرا، في مبادرة مشجعة وهامة، يقول المتحدث “فتح صندوق دعم السينما والآداب والفنون (فداتيك) في إطار قانون المالية لعام 2025، وهو صندوق حكومي يهدف لدعم الصناعة السينمائية والفنون بمختلف مجالاتها”.







