السرديات الاستعماريـة سعـت إلى إنكار وجـود ثقافـة جزائرية
احتضن مركز النشاطات الثقافية عبان رمضان بالعاصمة، في إطار برنامج “أربعاء الكلمة”، لقاء فكريا مع الدكتور مولود قرين، خصص لمناقشة كتابه الموسوم بـ«إشكالية النخبة الجزائرية: مرجعيات ـ تيارات ـ مواقف واهتمامات”، حيث تناول من خلاله مسألة النخبة الجزائرية وعلاقتها بالمقاومة منذ بداية الاحتلال الفرنسي سنة 1830، وصولا إلى تشكل النخبة الجزائرية الجديدة في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وذلك في سياق تفكيك السرديات الاستعمارية التي سعت إلى إنكار وجود نخبة جزائرية قبل الاحتلال.
أكد الدكتور مولود قرين، أن النخبة الجزائرية كانت فاعلا أساسيا في مسار المقاومة منذ بداية الاحتلال، ولم تكن على هامش الصراع، بل ساهمت في تأطير الوعي الجمعي وصيانة الهوية الوطنية، إدراكا منها بأن المشروع الاستعماري الفرنسي كان مشروعا تدميريا يستهدف اللغة والدين والثقافة والذاكرة الجماعية. ومن هذا المنطلق لم تقتصر المقاومة على بعدها السياسي والعسكري، بل اتخذت كذلك بعدا ثقافيا وفكريا عميقا.
وتوقف مولود قرين عند العوامل التي أدت إلى ميلاد نخبة جزائرية جديدة في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، مبرزا تداخل جملة من العوامل الداخلية، مثل صدمة الاحتلال وتفكك البنى التقليدية والحاجة إلى الدفاع عن الذات الحضارية، إلى جانب عوامل خارجية تمثلت في التأثر بالتيارات الإصلاحية في المشرق العربي، وبالأفكار النهضوية الإسلامية، إضافة إلى الاحتكاك بالثقافة الأوروبية الحديثة من خلال المدارس والمعاهد الفرنسية.
وأشار المحاضر، إلى أن النخبة الجزائرية الجديدة تشكّلت ضمن مرجعيات ثقافية متعدiدة، جمعت بين المرجعية العربية الإسلامية من جهة، والمرجعية الأوروبية الحديثة من جهة أخرى، وهو ما مكّنها من امتلاك أدوات مزدوجة لمواجهة الخطاب الاستعماري، سواء عبر الدفاع عن الهوية الوطنية أو عبر تفكيك السردية الكولونيالية من داخل منظومتها الفكرية نفسها.
وقدّم قرين، نماذج متعدّدة من النخب الجزائرية على اختلاف مشاربها الثقافية، من بينها عبد القادر مجاوي، وعبد الحليم بن سماية، وسي محمد برحال، ومحمد بن أبي شنب، والأمير خالد، إلى جانب بعض النخب المفرنسة التي حاولت توظيف الثقافة الفرنسية لخدمة القضية الجزائرية، مثل رابح زناتي، وصوالح، وبلقاسم بن التوهامي، وصالح بن جلول، وهو ما يعكس تنوع النخبة الجزائرية وتعدّد مساراتها الفكرية، مع اشتراكها في هدف مركزي يتمثل في مقاومة الهيمنة الاستعمارية.
وركز اللقاء، على أن المقاومة في الجزائر كانت مقاومة ثقافية بامتياز، إذ واجه الجزائريون المشروع التغريبي الفرنسي بمشروع حضاري مضاد، جعل من الثقافة بأبعادها العربية والإسلامية والأمازيغية حصنا منيعا للهوية الوطنية ومرجعية أساسية للنضال. فقد لعب الشعر دورا في توثيق السياسة الاستعمارية ومناصرة المجاهدين، كما ساهم المسرح والغناء، وحتى كرة القدم في ترسيخ الوعي الوطني وتحويل الفضاء الثقافي إلى مجال رمزي للمقاومة.
كما بين المحاضر أن الثقافة كانت ملاذ الجزائريين في فترات الخطر والتهديد، وفضاء لإعادة إنتاج الذات الجماعية، حيث لجأ المجتمع إلى التمسك بلغته ودينه وتقاليده لمواجهة سياسات الطمس والتذويب، ما جعل الثقافة تتحوّل من مجرد مكوّن رمزي إلى رافد أساسي من روافد المقاومة وعنصرا مركزيا في تشكيل الوعي الوطني.
وفي ختام اللقاء، وجّه الدكتور مولود قرين رسالة إلى الباحثين والمختصين في التاريخ الجزائري، دعاهم فيها إلى إعادة الاعتبار للبعد الثقافي في كتابة تاريخ المقاومة، مؤكدا أن أغلب الكتابات التاريخية ركزت على الجوانب السياسية والعسكرية في مقابل تهميش واضح للرصيد الفكري والحضاري، رغم كونه أحد أهم عناصر الصمود التاريخي للمجتمع الجزائري خلال الفترة الاستعمارية، وأحد المفاتيح الأساسية لفهم تشكل الوعي الوطني ومسارات التحرّر وبناء الدولة الوطنية.





