في وقت حاسم تواجه فيه القارة السمراء تحديات متعدّدة، حيث تتقاطع أزمات الأمن مع ضغوط التنمية والاقتصاد والمناخ والإصلاح المؤسسي والأمن المائي، التأمت في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، أعمال القمة 39 للاتحاد الأفريقي، بمشاركة واسعة من رؤساء الدول والحكومات الأفريقية.
القمة التي تختتم أشغالها اليوم، انطلقت أمس السبت بكلمة أكّد خلالها رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد على أنّ القارة أمام فرصة لإعادة ترتيب أولوياتها وفق مبدأ التكامل والتضامن، مشدّدًا على أن شعار “الحلول الأفريقية للمشكلات الأفريقية” أصبح ضرورة عملية تفرضها طبيعة الأزمات العابرة للحدود.
الأمن في صدارة الأولويات
وقد احتلّت قضايا الأمن مكانة بارزة على جدول أعمال القمة، مع التركيز على بؤر التوتر في منطقة الساحل، والقرن الإفريقي، وأجزاء من وسط القارة، في ظل استمرار تهديدات الجماعات الإرهابية وتصاعد النزاعات الداخلية.
وناقش القادة تعزيز قدرات بعثات حفظ السلام الأفريقية وتأمين تمويل مستدام لدعم العمليات الأمنية، مع التأكيد على أهمية اعتماد مقاربات شاملة تربط بين الأمن والتنمية، كما بحثت القمة دعم الدول التي تمر بانتقالات سياسية، وترسيخ الاستقرار المؤسسي لمنع الانزلاق إلى دوائر العنف.
وكانت الحرب في السودان حاضرة بقوة على طاولة القادة الأفارقة، الذين يحاولون إيجاد حلول للأزمات الأمنية التي يقول السفير محمد الأمين سويف، مدير مكتب رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، إنّها تعرقل خطة التنمية المستدامة 2063.
ويوضّح سويف – في مقابلة مع الصحافة على هامش القمة – أنّه “لن يكون ممكنا تنفيذ هذه الخطة الطموحة ما لم تحل القضايا الأمنية والنزاعات في الساحل والقرن الأفريقي”.
وسيعمل القادة على إيجاد تسويات مرضية لكل الأطراف في هذه النزاعات، وخصوصا في السودان، الذي قال سويف إنّ الاتحاد القاري اتخذ خطوات متقدمة لرفع تجميد عضويته، لكنه مطالب بمزيد من الإجراءات التي تنهي الحرب، وتذهب بالخلاف إلى طاولة المفاوضات.
فقد أنهى الاتحاد تجميد عضوية غينيا كوناكري والغابون بعدما أجرى البلدان انتخابات أنهت فترة استيلاء القادة العسكريين على السلطة بالقوة، لأن ما ينطبق على عضو ينطبق على بقية الأعضاء، حسب سويف.
التّنمية والتّكامل الاقتصادي
بالإضافة إلى الأمن، احتلّت قضايا التنمية والتكامل الاقتصادي مكانة مهمة، بما يشمل تسريع تنفيذ مشروعات البنية التحتية العابرة للحدود، وتعزيز دور منطقة التجارة الحرة القارية لتنشيط التبادل التجاري بين الدول الأعضاء.
كما بحثت القمّة سبل جذب استثمارات نوعية في قطاعات الطاقة، التحول الرقمي، والأمن الغذائي، في ظل التحديات المرتبطة بتغير المناخ وارتفاع أسعار الغذاء عالميًا.
الإصلاح المؤسّسي وتحدّيات التّمويل
كما طرحت القمة أيضًا ملف إصلاح آليات العمل داخل أجهزة الاتحاد الأفريقي، بهدف تعزيز الفاعلية وتقليص البيروقراطية وتسريع الاستجابة للأزمات، ويبرز ملف التمويل كأحد أبرز التحديات، مع دعوات لزيادة مساهمات الدول الأعضاء وتعزيز الاستقلال المالي للاتحاد.
وتصدرت ملفات الأمن المائي والصرف الصحي والديون التي تثقل كاهل الكثير من دول القارة أجندة القمة.
معضلة التّدخّل الخارجي
هذا، وركّزت القمّة 39 للاتحاد الافريقي على معضلة التدخل الخارجي، فكثيرا ما حاول الاتحاد حلّ نزاعات القارة لكنه كان دائما يصطدم بتدخلات خارجية تغذي هذه النزاعات في بعض دوله، كما هو الحال في السودان، الذي تتلقى بعض أطراف النزاع فيه أسلحة من خارج القارة تغذي الحرب وتبقيها مشتعلة رغم جهود إطفائها، والوضع نفسه في ليبيا التي تمضي 15 عاما في أزمة سياسية وأمنية بسبب التدخلات الخارجية.
كما يحرص الاتحاد على العمل المشترك مع الأمم المتحدة والجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، شريطة أن تكون الصدارة له، لأنها قضايا أفريقية في نهاية المطاف، حسب تعبير سويف.
وقبل انعقاد القمّة الحالية، اجتمعت لجنة السلم والأمن التابعة للاتحاد وبحثت ملفات السودان ومنطقة الساحل حتى يتمكن القادة من طرح حلول لهذه الأزمات، التي أكّد سويف أنها لن تنتهي بالسلاح أبدا وإنما بجلوس كافة الأطراف إلى طاولة الحوار.
وسبق للاتحاد أن لعب دورا مهما في إنهاء أزمات مماثلة في سيراليون وليبيريا اللتين خاضتا حروبا أهلية، لكنه اليوم يواجه مشكلة في السودان ودول القرن الأفريقي، لأنّ أطرافا غير أفريقية تقوم بتغذية الصّراعات فيها، كما يقول المسؤول الأفريقي.
الحدود الموروثة عن الاستعمار
وتمثّل مسألة الحدود الموروثة عن حقبة الاستعمار المشكلة الأكبر التي تواجه القارة لأنها كانت ولا تزال سببا في الصّراعات، كما يقول الخبير في الشؤون الأفريقية موسى شيخو.
لذلك، يحاول القادة خلال هذه القمة حلحلة بعض الملفات مع توقع أن تكون هذه الصّراعات “حاضرة على طاولة كثير من القمم في المستقبل”.
غوتيريش يدعو لإسكات البنادق
في الأثناء، دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، خلال كلمته أمام القمة الأفريقية، إلى وقف فوري لإطلاق النار في السودان، وإصلاح مجلس الأمن لضمان تمثيل عادل للقارة، مؤكّدًا أنّ أفريقيا ستكون أولوية في أجندة الأمم المتحدة.
وطالب غوتيريش بإسكات البنادق في مختلف بؤر التوتر بالقارة، مؤكدًا أن السلام في أفريقيا ليس خيارًا، بل ضرورة عالمية.
واستهلّ غوتيريش كلمته بالتركيز على الحرب في السودان، مطالبًا بوقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات. واعتبر أن استمرار النزاع يهدد استقرار الإقليم بأسره، ويعمّق واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
إصلاح مجلس الأمن وتمثيل أفريقيا
وفي ملف الحوكمة الدولية، شدّد الأمين العام على أن غياب التمثيل الأفريقي الدائم في مجلس الأمن أمر لا يمكن الدفاع عنه. ودعا إلى إصلاح شامل يعكس الواقع الجيوسياسي الراهن، ويمنح القارة صوتًا مستحقًا داخل آلية صنع القرار الأممية.
كما دعا إلى دعم بعثة الاستقرار في الصومال، مشيرًا إلى أهمية ضمان تمويل مستدام للعمليات الأمنية التي تقودها أفريقيا. ولفت إلى أنّ مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب تتطلب تحمل المجتمع الدولي مسؤولياته، لأن تدفقات الأموال غير المشروعة تُغذي النزاعات وتقوّض التنمية.
المناخ والموارد..أولوية مزدوجة
وأكّد غوتيريش أن أفريقيا تواجه تداعيات الاحترار العالمي أكثر من أي وقت مضى، رغم مساهمتها المحدودة في الانبعاثات، مطالبًا بحشد دعم مالي وتقني عاجل لتمكين الدول الأفريقية من التكيف مع تغير المناخ. كما حذّر من أي استغلال أو نهب للموارد والمعادن الأفريقية، داعيًا إلى شراكات عادلة تعزز القيمة المضافة داخل القارة.
واختتم بالتّأكيد على أن أفريقيا ستكون أولوية للأمم المتحدة في جميع أنشطتها وبرامجها، من التنمية المستدامة إلى حفظ السلام.

