البحـث العلمي للوصــول إلــى مليــارات الذهــب الأخضـر
استخـدام “البـذر الجوي” لمواجهة آثـــار الجفاف وتوقيف التصحـر
وزارة الفلاحة تضـع شجـرة الأرقـان ضمـن أولوياتها في السد الأخضـر
أكّد عضو المكتب التنفيذي لاتحاد المهندسين الزراعيين، عبد المجيد صغيري لـ “الشعب”، أنّ نجاح عمليات التشجير لا يتوقف عند الرقم المستهدف، بل يمتد إلى “الاستراتيجية التقنية” التي تضمن استدامة الغطاء النباتي، وتحويله إلى رافد اقتصادي حقيقي ومستدام.
أوضح عضو المكتب التنفيذي لاتحاد المهندسين الزراعيين في تصريح لـ “الشعب”، أهمية التّحضير الاستباقي للحملة عبر تجنيد مشاتل توفر شتلات “معتمدة صحيا” من طرف المعاهد المختصّة في هذا المجال، وخالية من الأمراض لضمان عدم انتقال العدوى إلى الغابات الموجودة، وللحفاظ على خصوصية التنوع البيولوجي في عدة مناطق من الوطن المراد تشجيرها، مشدّدا على ضرورة توعية الجمعيات المراد انخراطها في هذ العملية الكبرى، حيث يجب تحضيرها تقنيا ومرافقتهم بمختصّين لتوجيههم نحو اختيار الأصناف المراد لغراستها.
وفيما تعلق بالمكننة أو استعمال التكنولوجيات الحديثة في الغراسة، فيرى صغيري أنّ هناك تجارب عالمية كثيرة مختصة في زراعة وغراسة مساحات كبرى عن طريق البذر، للحصول على نباتات تحتمل الجفاف، الملوحة وتوقيف التصحر.
ودعا في هذا السياق إلى الانفتاح على هذه التّجارب العالمية، على غرار التجربة الصينية، فبالموازاة مع استعمال اليد العاملة فهي رائدة في استخدام “البذر الجوي” عبر الطائرات بدون طيار “الدرون” للوصول إلى المناطق الوعرة والصعبة، والاعتماد على التكنولوجيات الحديثة في الحفر والغرس لضمان الحصول على نباتات ذات مردودية اقتصادية ايكولوجية تسمح بتوسيع الغطاء النباتي، وأكثر تأقلما مع التغيرات المناخية الملحوظة.
في المقابل أشار المتحدّث إلى طريقة أخرى في تحضير النباتات، وهي التكثيف عن طريق أجزاء من النباتات بدلا من البذور، وهي عملية سريعة للحصول على نباتات وشجيرات خالية من الأمراض، تحضّر في بيوت بلاستيكية أو بيوت واسعة كبيرة للحصول على أشجار ذات نوعية وذات مردودية جيدة.
كنز تندوف المتقـدّم نحـو الشّمــال
وبخصوص إدماج شجرة الأرقان في عملية التّشجير الكبرى، أكّد صغيري أنّها مبادرة جيدة، لما لها من قيمة اقتصادية عالية نظرا لأسعار زيوتها المرتفعة، إلا أنّه كمهندسين زراعيين ومختصين في الإنتاج النباتي دائما يوصى أن تبقى الأنواع في محيطها الأصلي، مشيرا إلى أنّ الدراسات التي أجريت في الجزائر منذ عام 1939 وصولا إلى دراسة 1999-2007، أثبتت نجاح تأقلم هذه الشجرة في منطقة “وادي تندوف” موطنها الأصلي، بفضل مقاومتها لدرجات حرارة تتجاوز 50 درجة مئوية.
وأشار عضو المكتب التنفيذي لاتحاد المهندسين الزراعيين، إلى أنّ هذه الدراسات أثبتت وجود بعض آثار هذه النبتة، وركّزت على دور هذه النبتة البيئي والفلاحي، وكذلك الديناميكية التي تلعبها في المنطقة على اعتبار أنها تفضّل البيئة الصحراوية الرملية ومقاومتها للجفاف، متطرّقا إلى تجارب ناجحة لتوسيع زراعتها في ولايات الجنوب كبسكرة، ورقلة وغرداية وحتى في ولايات شمالية كالنعامة، مستغانم والشلف.
وأكّد المتحدّث أنّ وزارة الفلاحة تضع هذه الشعبة ضمن أولوياتها في السد الأخضر، مشيرا إلى وجود مشتلة في ولاية الجزائر لتكثيف هذه النبتة ذات المردودية الاقتصادية، وذلك ضمن برامج فعدة ولايات جنوبية بهدف تطوير هذه الشعبة، متوقّعا ظهور نتائج في السنوات المقبلة.ولتحقيق النتائج المرجوّة من غراسة وتكثيف شجرة الأرقان، وإدماجها في المبادرة الوطنية للتشجير، أوصى صغيري باعتباره مهندسا زراعيا بضرورة القيام بدراسات معمّقة، وغرسها في أماكن محددة وفي الظروف المناسبة لها، لأنّها تتطلّب شروط معينة ووجود ظروف مناخية محددة، خاصة في السنتين الأوليتين من الغراسة.
..الخروج مــن التّشجـير النّمطي نحو بدائــل اقتصاديــة
في المقابل دعا اتحاد المهندسين الزراعيين إلى الخروج من دائرة “التشجير النمطي” الذي يركّز على الصنوبر الحلبي، نظرا لسرعة احتراقه وتأثيره السلبي على تربة الغابات، حيث أثبتت أشجار الصنوبر تعرضها لكثير من الأمراض، ما يعني ضرورة إبعاد الأشجار المثمرة المراد غرسها عن الصنوبر الحلبي كونها ترفع من ملوحة التربة الحموضة، وبالتالي قتل كل نبتة ممكن تكون تحت أشجار الصنوبر الحلبي، في مقابل ذلك يمكن تكثيف شجر الأرز الأطلسي لأنه شجرة معرضة للزوال، وبالتالي تكثيفها في غاباتنا عمل مهم جدا.
واقترح بدائل ذات مردودية مزدوجة بيئية واقتصادية تشمل كل من الخروب كبديل استراتيجي لمادة الكاكاو المستوردة، البلوط الفليني لتعزيز ريادة الجزائر في إنتاج الفلين، ناهيك عن الفستق الحلبي واللوز لقدرتهما العالية على مقاومة الجفاف في الهضاب العليا ومردوديتهما، إلى جانب بعض الأشجار السهبية السدر والحلفاء لتطوير شعبة النحل، وتوفير مواد أولية لصناعة الورق ودعم الثروة الحيوانية.
ونفس الأمر بالنسبة للزيتون البري لتطوير مشاتل الزيتون، والذي يمكن توسيع غراسته في غاباتنا كمصدر للتقليم، وإيجاد أشجار مقاومة وحاملة للطعم، ويستعمل في تكثيف أشجار الزيتون في الجزائر، ما يساهم في تحقيق مردود اقتصادي كبير جدا.
وحسب صغيري فإنّ اختيار هذه الأصناف من أجل حملة التشجير الكبرى لابد على مختصين في القطاع الفلاحي كمهندسين زراعيين ومخابر، وكذلك مع المعاهد التقنية المصادقة على هذه الأشجار، وكذلك مرافقة الجمعيات المنخرطة في الحملة، وكذا تأطير المجتمع المدني من أجل تحقيق النتائج المرجوة، والوصول إلى مردودية اقتصادية وضمان استدامة لهذه الأشجار، مع متابعتها من حيث التسميد الأولي، عمق الحفر، من حيث السقية السقي سقية ثانية او المتابعة اليومية، خاصة في السنتين الأوليتين في كل الشعب.
وشدّد المتحدّث على أهمية توفير الدعم اللوجيستيكي لهذه الجمعيات حتى تكون عندها مردودية في الميدان، وهو الوصول إلى هدف 5 ملايين شجرة في يوم وهو أمر ليس بالسهل، لكن يمكن الوصول إليه بالنظر إلى الوعي الاجتماعي الذي أبان عنه خاصة في العملية الأخيرة.
”عقد المهنــدس”..مبـادرة للاستدامــــة
وفي مقترح لافت، دعا اتحاد المهندسين الزراعيين إلى دعمهم بقطع أرضية غابية لاستغلالها في غرس أشجار مثمرة ونباتات طبية وعطرية، تحت إشراف تقني، ممّا يخلق مناصب شغل ومردودا اقتصاديا، ويضمن المتابعة اليومية لعمليات التسميد والسقي، خاصة في السنتين الأوليين من عمر الشتلة.





