شهد المعهد الوطني العالي للموسيقى في الفترة الممتدة من 12 إلى 14 فيفري الجاري، تنظيم الماستر كلاس (الإقامة الفنية) في إطار الطبعة الخامسة عشرة من المهرجان الثقافي الوطني لأغنية الشعبي، وذلك بمشاركة نوعية جمعت أساتذة وباحثين مختصين في الموسيقى التراثية، إلى جانب موسيقيين محترفين وطلبة من مختلف المعاهد والمدارس الفنية، في لقاء علمي وفني هدف إلى تعميق النقاش حول راهن أغنية الشعبي وآفاق تطويرها.
جاءت الإقامة الفنية لتؤكّد التوجه الجديد للمهرجان نحو ترسيخ بعده المعرفي، وعدم الاكتفاء بالعروض الفنية، وذلك من خلال إدماج التكوين الأكاديمي ضمن برنامجه الرسمي بما يسمح بإعادة الاعتبار لأغنية الشعبي كموضوع بحث ودراسة، لا كمجرد لون موسيقي موجّه للاستهلاك الجماهيري، بل كتراث ثقافي مركب يستدعي التحليل والتوثيق وإعادة القراءة.
وفي كلمته الافتتاحية، أكّد محافظ المهرجان عبد القادر بن دعماش أنّ هذه الإقامة شكلت فضاء حقيقيا لتلاقي الخبرات وتبادل المعارف بين الأجيال، معتبرا أنّ الرهان على التكوين المتخصّص ورعاية المواهب الشابة يعكس رسالة المهرجان في صون أغنية الشعبي وضمان استمراريتها في ظل التحولات الثقافية المتسارعة، التي تعرفها الساحة الفنية الوطنية والدولية.
وأوضح بن دعماش أنّ الاستثمار في الجيل الجديد لا ينبغي أن يكون مجرّد شعار، بل سياسة ثقافية واعية تهدف إلى حماية هذا الإرث الموسيقي من التبسيط أو التشويه، وترسيخه بروح معاصرة تحافظ على أصالته دون أن تفقده قدرته على التجدد والانفتاح.
كما شدّد على أنّ نقل الخبرات بين الرواد والشباب يعد شرطا أساسيا لترسيخ المدرسة الشعبية الجزائرية في أبعادها الفنية والشعرية والموسيقية، مؤكّدا أنّ التأطير الأكاديمي القائم على البحث والتصحيح والتحليل النقدي يسمح بتجاوز الممارسات العفوية، والانتقال بأغنية الشعبي من فضاء الشفوية إلى فضاء التدوين العلمي المنهجي.
وشهد برنامج الإقامة سلسلة من المحاضرات المتخصّصة ذات الطابع النظري والتطبيقي، استهلّت بمحاضرة للأستاذ فريد خوجة حول “الأنماط السبعة للموسيقى التقليدية الجزائرية (الشعبي)”، حيث قدّم قراءة تاريخية مقارنة لهذه الأنماط، مبرزا امتداداتها الجغرافية والاجتماعية، وعلاقتها بالمدارس الموسيقية الكبرى مثل الأندلسي والمالوف والحوزي، مع التركيز على الخصوصيات الجمالية لكل نمط، من حيث الإيقاع والمقام والبنية اللحنية.
تلتها مداخلة مشتركة للأستاذين بلعربي محمد وجمال شايب حول “حروف الأبجد وحساب الجمل في الشعر الملحون”، حيث تمّ التوقف عند البعد الرمزي والعددي في النص الشعبي، وكيف يوظّف الحساب الأبجدي في بناء المعنى الشعري، ليس فقط كعنصر جمالي، بل كآلية تنظيم داخلية تتحكم في الإيقاع والدلالة وتماسك النص.
أمّا مداخلة الأستاذ محمد حمايدية فقد ركّزت على البنية الموسيقية والشعرية لـ “الاستخبار”، باعتباره أحد المكونات الجوهرية في الأداء الشعبي، إذ يعتبر مدخلا أساسيا لضبط المقام وبناء الجو الشعوري للأغنية، كما أبرز علاقته العميقة بالمدونة الأندلسية، ودوره في الانتقال من الارتجال إلى البناء الفني المنظم.
وقد تميّزت أشغال الإقامة بنقاشات موسّعة بين المحاضرين والمشاركين، حيث طرحت جملة من الإشكالات المنهجية المرتبطة بدراسة أغنية الشعبي، من بينها إشكالية التدوين الموسيقي، وحدود التأويل في النص الملحون، والتداخل بين التراث الشفهي والممارسة الأكاديمية، إضافة إلى سؤال الهوية في ظل العولمة الموسيقية.
كما خصّصت جلسات تطبيقية لعرض نماذج أدائية، تمّ خلالها تحليل بعض القطع الشعبية من حيث المقام والإيقاع والبنية النصية، ما سمح للمشاركين بالانتقال من المستوى النظري إلى الممارسة العملية، في تجربة بيداغوجية لقيت تفاعلا كبيرا من طرف الطلبة والموسيقيين الشباب.
واختتمت الإقامة بمحاور تناولت العلاقة بين النوبة الأندلسية وأغنية الشعبي، ودور التكوين الأكاديمي في تصحيح المفاهيم السائدة حول هذا اللون الموسيقي، إضافة إلى بحث آفاق انفتاح الشعبي على الساحة الدولية، خاصة من خلال المهرجانات العالمية وبرامج التبادل الثقافي.







