احترام متبادل.. تضامن وحكمة وتمتين للاستقرار المشترك
تعزيز الاقتصاد البيني كأداة لتحقيق التنمية المستدامة والاستقرار بالساحل
يؤكد الخبير والباحث في الشؤون الإستراتيجية الإفريقية، البروفيسور بوحنية قوي، أن زيارة رئيس النيجر، عبد الرحمان تياني إلى الجزائر، بعد إعادة السفير الجزائري إلى نيامي، وبعد استئناف سفير النيجر مهامه في الجزائر، خطوة هامة تعكس استعادة الثقة المتبادلة بين البلدين الشقيقين، في ضوء وجود علاقة تاريخية بينهما، تُمثِّل نموذجًا للشّراكة الإفريقية القائمة على الاحترام المتبادل، والتضامن، الحكمة والاستقرار المشترك.
أوضح البروفيسور بوحنية قوي، في تصريح خصّ به «الشعب»، أن استئناف العلاقات الجزائرية النيجيرية، بكامل طاقتها، يعكس استنادهما إلى التشاور والحوار البناءين، وتجاوز أيّ خلاف مؤقت بسرعة من خلال التواصل المفتوح والتنسيق المشترك عالي المستوى.
وأبرز بوحنية، أن حرص الجزائر على الراوبط القوية التي تجمعها بالنيجر، رسالة ذكية وواضحة للجهات الإقليمية والدولية، يعكس العلاقة القوية لبلد الشهداء مع جيرانه. ويُظهر قرار إعادة السفير وفق هذه الرؤية، أن الجزائر تلتزم بالحوار الراسخ والتعاون مع النيجر، وتُسيِّر علاقاتها الدبلوماسية بذكاء وحكمة، وأنها قادرة على حماية مصالحها الوطنية والإستراتيجية في الوقت نفسه، مع تعزيز التنسيق والاستقرار في منطقة الساحل الإفريقي، وقطع الطريق أمام أيّ محاولات لتطويقها أو استغلال التوترات لصالح أجندات خارجية ضيقة، بحسب قوله.
وبخصوص الشّراكة بين الجزائر والنيجر، أوضح المتحدث، أن الجزائر منذ استقلالها عام 1962 كانت نموذجًا ثوريًا في إفريقيا برمّتها، بعد أن حوّلت تجربة التحرر المسلح إلى دولة قوية ذات سيادة ومكانة عالمية، وهو ما نظرت إليه النيجر بإيجابية التي نالت استقلالها عام 1960، واستلهمت من بلد الشهداء بوصفه قدوة ثورية وسيادية، وأخذت من تجربته الفريدة مثالاً لبناء الدولة والمجتمع المدني، مع الحفاظ على استقلالية القرار في انسجام نسبي تجاه الإرث الاستعماري الفرنسي المشترك.
وفي ما تعلق بالتعاون الاقتصادي، تتجسد قوة الشّراكة الاقتصادية، بين البلدين حسب المتحدث، ببروز مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، الممتد لأكثر من 4.128 كلم من نيجيريا عبر النيجر إلى الجزائر، بطاقة متوقعة تصل إلى 30 مليار متر مكعب سنويًا، كما تطورت في مجالات الطاقة الشمسية وربط الشبكات الكهربائية، وعلى صعيد التجارة تصدّر الجزائر إلى النيجر مواد غذائية وإسمنت وأدوية ومواد بناء، انتعشت أكثر مع دخول اتفاقية التجارة الحرة الإفريقية حيز التطبيق، ومن المتوقع أن ترتفع المبادلات بنسبة 20 إلى 30 ٪ خلال السنوات القادمة، وفقًا لبوحنية.
قيمة التبادل التجاري بين الجزائر والنيجر حاليًا، مثلما أضاف الخبير، تبلغ حوالي 1.2 مليار دولار سنويًا، مع توجّه متزايد لتعزيز التجارة البينية في مجالات الزراعة والصناعة والخدمات اللوجستية، يؤكده حيوية العلاقات الدبلوماسية قبل تأزمها الظرفي، أين قام مسؤولون جزائريون ونيجريون بأكثر من 15 زيارة متبادلة، بغية تعزيز الحوار والتعاون في مختلف المجالات الاقتصادية والسياسية. وهذه الحركية الدبلوماسية المكثفة، تعكس إدراك البلدين الشقيقين لأهمية تعزيز الاقتصاد البيني كأداة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة والاستقرار في منطقة الساحل الإفريقي، وضمان استفادة الشعوب من الثروات المشتركة والخدمات الحيوية.
وأردف بوحنية: «ساهم التنسيق الجزائري – النيجيري في مراقبة أكثر من 950 كم من الحدود المشتركة وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وإحباط محاولات الجماعات الإرهابية المسلحة العابرة للحدود، بما سدّ المنافذ أمام الجهات الأجنبية التي حاولت تطويق الجزائر من خاصرتها الجنوبية. ويبرز هنا دور الجيش الوطني الشعبي ومقر مجموعة العمليات المشتركة في تمنراست، الذي يشمل فرقًا مختصة لمكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود، ويعزز التعاون العسكري بين الجزائر والدول الإفريقية الشقيقة».
وبالحديث عن الوساطة والدور الإقليمي الحيوي للجزائر، يضيف المتحدث أن بلادنا لعبت دور الوساطة في النزاعات الإقليمية، وأسهمت في حل النزاعات داخليًا ضمن الإطار الإفريقي كالإتحاد الإفريقي، وكانت داعمة لأي حوار سياسي داخلي في النيجر دون فرض حلول خارجية، إذ أكسبتها هذه السياسة سمعة الدولة الرصينة والهادئة والإستراتيجية واعتبرها الأفارقة المرجع الموثوق لحلّ الأزمات في الساحل الإفريقي. فضلاً عن ذلك، دعمت الجزائر تكوين النخب العسكرية الإفريقية في النيجر ومالي وتشاد عبر أكاديمياتها ومراكز التدريب المتخصصة، مع غرس قيم السيادة الوطنية والانضباط العسكري واحترام القانون الدولي في أوسطاهم.
وتسعى الجزائر اليوم- يُضيف الخبير والباحث في الشؤون الإستراتيجية الإفريقية- إلى تعزيز التعاون مع كل دول الساحل وإفريقيا؛ لكونه أصبح ضرورة ملحّة، ليس فقط للحفاظ على إرثها السياسي والإنساني والثقافي العميق، بل أيضًا لضمان استقرار المنطقة وحماية مصالحها الإستراتيجية، ومن خلال الدبلوماسية الرصينة، والتنسيق الأمني والاقتصادي، والتضامن مع الأشقاء الأفارقة في كافة المناسبات والأحداث، أكدت أنّها شريك موثوق بالفعل، وصمّام أمان للسلم الإقليمي والقاري، ومستعدّة دائمًا لبعث روح التعاضد والشّراكة المستدامة مع دول الساحل لضمان مستقبل مزدهر وآمن للجميع.

