دور محوري في إعادة هندسة العلاقة بين إفريقيا وأوروبا
أكّد الخبير الاقتصادي والنائب البرلماني، البروفيسور عبد القادر بريش، أنّ الجزائر، باتت الجسر الجيو-استراتيجي الذي يعيد هندسة العلاقة بين أوروبا وإفريقيا، ويجعل منها فاعلا مركزيا في معادلة الاستقرار والازدهار المشترك بين القارتين، معتبرا أنها تتموقع كفاعل محوري في بناء هذا النموذج الجديد من التعاون، القائم على التنمية المشتركة والتكامل الإقليمي بين الضّفتين.
يرى البروفسور عبد القادر بريش، الخبير الاقتصادي والنائب البرلماني، في تحليل لـ»الشعب»، وجود ارتسام ملامح مرحلة جديدة في علاقة إفريقيا بأوروبا وباقي الفاعلين الدوليّين، مؤكّدا أنّ المشهد الدولي يشهد تحوّلا عميقا في طبيعة هذه العلاقات، من منطق النفوذ التقليدي إلى منطق الشراكة الندية المتوازنة.
وقد أوضح في هذا السّياق، أنّ علاقة القارة الإفريقية بأوروبا وبقية القوى الدولية لم تعد تختزل مجرّد كونها مجال نفوذ أو فضاء تابعا، بل دخلت طور إعادة تشكل بنيوي يعكس تحوّلات أوسع في بنية النظام الدولي. فإفريقيا اليوم لم تعد مجرهد فضاء جغرافي لتنافس القوى الكبرى، بل تحولت إلى فاعل استراتيجي يسعى إلى إعادة تعريف موقعه، ضمن معادلات القوة الجيوسياسية والجيو-اقتصادية، مستندة إلى مواردها الطبيعية، وعمقها الديمغرافي، وموقعها الجغرافي الحيوي.
نموذج أكثر عدلا واستدامة
أشار الخبير إلى أنّ الأزمات العالمية المتلاحقة، من أزمات الطاقة إلى اضطراب سلاسل الإمداد، مرورا بتصاعد التنافس على الموارد الاستراتيجية، سرّعت من وتيرة هذا التحول ودفعت الشركاء الأوروبيّين إلى مراجعة مقارباتهم التقليدية تجاه القارة الإفريقية، والانتقال نحو نماذج تعاون تقوم على المصالح المتبادلة والتكامل الاقتصادي. في هذا السياق، تبرز الجزائر كأحد الفاعلين المحوريّين في صياغة هذه المعادلة الجديدة، بحكم موقعها الجيوسياسي، ووزنها الطاقوي، وخياراتها الدبلوماسية القائمة على مبدأ الشراكة المتوازنة واحترام السّيادة. وهو ما يعزّز موقعها كجسر استراتيجي بين إفريقيا وأوروبا، وركيزة أساسية في بناء نموذج تعاون جنوب-شمال أكثر عدلا واستدامة.
في قراءة متأنّية للخبير بريش للخارطة ببعديها الجيوسياسي والجيواقتصادي، اعتبر أنّ قمة إيطاليا-إفريقيا 2026 تكتسي أهمية خاصة، ليس فقط من حيث مضمونها، بل أيضا من حيث رمزيّتها الجيوسياسية، إذ تُعقد على أرض إفريقية، في أديس أبابا، بالتزامن مع قمة رؤساء دول وحكومات الاتحاد الإفريقي في الدورة التاسعة والثلاثين.
يعكس هذا الاختيار إدراكا إيطاليا متزايدا لمركزية إفريقيا كمجال شراكة لا يمكن فصله عن المؤسّسات القارية الإفريقية، ويمنح لهذه القمة بعدا مؤسّسيا وسياديا يتجاوز منطق اللقاءات الثنائية التقليدية.
أوضح الخبير بريش أنّ هذه القمة تندرج ضمن ما يعرف بـ «خطة ماتي»، التي تطرحها إيطاليا كمقاربة جديدة لإعادة بناء العلاقة مع إفريقيا، قائمة على الشراكة المتوازنة والاستثمار المنتج، والربط الطاقوي واللّوجستي، ودعم التنمية، بدل المقاربات الريعية أو الأمنية الضيقة.
في هذا الإطار، تبرز مشاركة الجزائر بوصفها مشاركة استراتيجية ذات وزن خاص، تعكس تقاطع الرؤية الجزائرية مع الطموح الإفريقي في بناء شراكات متوازنة، واحترام السّيادة، ورفض أي عودة مقنعة لمنطق التبعية.
بالنظر إلى موقع الجزائر المحوري في معادلات الطاقة المتوسطية والإفريقية، وخبرتها في إدارة الشراكات المتوازنة القائمة على احترام السيادة وعدم التدخّل، فالرؤية الجزائرية، التي طالما دافعت عن مبدأ الندية والتكامل جنوب-جنوب، تتقاطع بوضوح مع الطموح الإفريقي الراهن لبناء شراكات عادلة، تضع التنمية ونقل التكنولوجيا وتثمين الموارد المحلية في صلب التعاون الدولي.
الانتقال لمستوى التكامل الصناعي
تطرّق الخبير بريش إلى محور هام، والمتمثل في «الجزائر وإيطاليا نموذج للشراكة الاستراتيجية المتوازنة»، وذكر في هذا السياق أنّ الجزائر اليوم، تشكّل أحد الأعمدة الرّئيسية للاستراتيجية الإيطالية الجديدة تجاه إفريقيا، وهو ما تؤكّده المؤشّرات الاقتصادية التي تعكس انتقال العلاقة من مستوى التبادل التجاري إلى شراكة متعدّدة الأبعاد، ومن أبرزها استعراض الخبير لحجم التبادل التجاري، مشيرا إلى أنّ حجم التبادل التجاري بين الجزائر وإيطاليا بلغ قرابة 9 مليارات يورو خلال الثلثيين الأولين من سنة 2025، مع توقّعات بتجاوز 14 مليار يورو مع نهاية السنة، ما يجعل إيطاليا الشريك التجاري الأول للجزائر على المستوى الأوروبي.
كما قدّم البروفسور بريش قراءة في الاستثمارات الإيطالية المباشرة في الجزائر، وقال أنها قدرت بحوالي 8.6 مليار يورو (نحو 9.2 مليار دولار)، مع توجّه واضح نحو تنويع الاستثمارات لتشمل قطاعات استراتيجية خارج المحروقات، مثل المناجم، الزراعة الصّحراوية والصناعات الميكانيكية.
وأثنى الخبير على حضور المؤسّسات الاقتصادية الإيطالية، معتبرا ذلك بأنه مؤشّر إيجابي، في وقت ينتظر أن تنشط في السوق الجزائرية أكثر من 200 مؤسّسة إيطالية، إضافة إلى ما يقارب 500 شركة في إطار شراكات ثنائية، ما يعكس انتقال العلاقة إلى مستوى التكامل الصناعي ونقل التكنولوجيا.
في حديثه عن مكانة الجزائر كصمام أمان للأمن الطاقوي الإيطالي والأوروبي، أكّد البروفسور بريش أنّ الجزائر تعد اليوم أحد الفاعلين المركزيّين في معادلة الأمن الطاقوي الإيطالي والأوروبي، وهو ما تؤكّده بيانات التوريد الحديث، من بينها توريد الغاز الطبيعي، على اعتبار أنّ الجزائر قامت خلال سنة 2025 بتوريد نحو 20.1 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي إلى إيطاليا عبر خط أنابيب ترانسميد (إنريكو ماتي)، إلى جانب ارتفاع شحنات الغاز الطبيعي المسال بنسبة تفوق 50%، بواقع 47 شحنة خلال السنة نفسها. وبالنسبة للحصّة السوقية، فإنّ الغاز الجزائري يغطي ما بين 31% و34% من إجمالي الطلب في السوق الإيطالية، ما يجعل الجزائر المورد الأول لروما، وعنصرا أساسيا في استقرار السوق الطاقوية الأوروبية. وتتجاوز هذه المساهمة بعدها التجاري لتندرج ضمن الأمن الاستراتيجي الأوروبي، في سياق السعي إلى تنويع مصادر الطاقة وتقليص المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالمناطق غير المستقرّة.
التكامل وتقاسم المصالح
أبرز الخبير أنه الجزائر كبوابة لوجستية وجسر للربط الجيواستراتيجي الإفريقي–الأوروبي، وفي إطار مقاربة خطة «ماتي»، تطرح الجزائر نفسها كفاعل محوري في مشاريع الربط القاري، بما يمنح الشراكة الإيطالية- الإفريقية عمقها الحقيقي، ويمثل الطريق العابر للصّحراء، بوصفه ممرا استراتيجيا يربط شمال القارة الإفريقية بعمقها، وصولا إلى نيجيريا، مع ما يحمله من إمكانات كبيرة للتكامل التجاري القاري. وكذلك مشروع الهيدروجين الأخضر – SoutH2 Corridor، الذي يهدف إلى ربط الجزائر بألمانيا عبر إيطاليا، باستثمارات متوقّعة تناهز 25 مليار دولار في أفق 2035، ما يضع الجزائر في قلب التحول الطاقوي الأوروبي. بالإضافة إلى تكامل سلاسل القيمة الصناعية، من خلال مشاريع كبرى، على غرار مصنع ستيلانتيس للسيارات، ومشاريع الحديد والصلب، بما يعزّز انتقال الجزائر من منطق تصدير المواد الخام إلى منطق التصنيع والتكامل الصناعي الإقليمي.



