احتضنت مؤسّسة أوكسجين للثقافة والفنون، العدد الثالث من منتداها الفكري الشهري، في لقاء خُصّص لطرح أحد أكثر المواضيع راهنية في المشهد الاجتماعي والثقافي، وهو “القيم في المجتمع الجزائري..من التأصيل إلى الفاعلية”. وجاء هذا الموعد ليؤكّد أهمية فتح نقاشات جادة حول الأسس القيمية التي تُشكّل هوية المجتمع، في ظل التحولات الاجتماعية والثقافية المتسارعة التي يشهدها العالم.
استهلّ النّدوة الأستاذ الباحث محمد سعيد بوسعدية، الذي أدار الجلسة، بالتأكيد أن عنوان المنتدى لا يطرح القيم بوصفها تراثا أخلاقيا جامدا، بل باعتبارها إشكالا ثقافيا حيّا يتطلّب مساءلة مستمرّة حول كيفية بنائها، وانتقالها من المرجعيات النظرية إلى السلوك اليومي داخل المجتمع.
وأشار في تقديمه إلى أنّ النقاش حول القيم يكتسب أهمية خاصة في ظل سياقات عالمية معقدة، واعتبر أنّ أزمة القيم ليست حكرا على مجتمع دون آخر، بل ظاهرة عالمية تتجلّى بصور مختلفة.
وفي مداخلته الرّئيسية، ركّز الدكتور سعيد بويزري على التساؤل حول مدى حضور القيم الروحية والأخلاقية في الحياة المعاصرة، مشيدا بجهود المؤسسة في فتح فضاءات للحوار الفكري. وأكّد أنّ الحديث عن القيم يبدو سهلا على مستوى الخطاب، غير أن التحدي الحقيقي يكمن في الممارسة، مشيرا إلى وجود فجوة واضحة بين النظرية والتطبيق.
وساق أمثلة من الواقع اليومي، مثل التبذير خلال شهر رمضان، وتزايد حوادث المرور، وضعف ثقافة النظافة، موضّحا أنّ الإشارة إلى هذه الظواهر تأتي بهدف تشخيص مواطن الخلل لا إنكار الجوانب المشرقة في المجتمع.
وشدّد على أنّ المجتمع الجزائري يملك منظومة قيمية ثرية تضبط حركة الإنسان في مختلف المجالات، وتحقّق التوازن للفرد والاستقرار للأسرة والمجتمع، كما عرض المتحدث المرجعيات الأساسية للقيم، المتمثلة في المرجعية الدينية الإسلامية، والمخزون الثقافي والمعرفي الجزائري، والتاريخ الوطني بما يحمله من قيم مستمدة من المقاومة والثورة، إضافة إلى المنظومة القانونية التي تتقاطع في كثير من جوانبها مع المرجعية الأخلاقية.
من التّأصيل إلى الفاعلية
وفي حديثه عن الفاعلية، استحضر الدكتور بويزري مقولة المفكر الجزائري مالك بن نبي حول ضرورة ارتباط منطق الفكرة بمنطق العمل، مؤكّدا أهمية نقل القيم من المستوى النظري إلى المستوى التطبيقي، عبر التربية المستمرة وتحويلها إلى سلوك يومي وممارسات مؤسساتية.
وتطرّقت النّقاشات إلى تأثير التّحوّلات الرّقمية، وتبدّل أنماط التواصل وتراجع الأدوار التقليدية لبعض المؤسسات الاجتماعية في نقل القيم بين الأجيال، حيث أجمع المشاركون على أنّ الحديث عن القيم لم يعد مجرد خطاب وعظي، بل صار ضرورة اجتماعية تتعلق بالتعايش والتضامن والسلم الاجتماعي.
كما أكّد المشاركون على دور المدرسة والجامعة ووسائل الإعلام والأسرة في ترسيخ ثقافة الإصغاء والحوار، وتوجيه الشباب نحو فهم أعمق لمفهوم القيم، بما يحقق التوازن بين الأصالة ومتطلبات العصر.
وفي ختام اللّقاء، شدّد المتدخّلون على أنّ النقاش حول القيم لا يمثل عودة إلى الماضي، بل بحثا عن أدوات فكرية وأخلاقية تساعد على فهم الحاضر وصناعة مستقبل أكثر انسجاما، مؤكّدين أهمية استمرار مثل هذه المنتديات الفكرية التي تربط الفكر بالواقع، وتفتح فضاءات للحوار الهادئ والمسؤول.







