لم يكن النزوح يومًا قرارًا، بل كان لحظةً ثقيلة سقطت علينا فجأة، كأنها قدرٌ كُتب على عجل. خرجنا من بيوتنا لا لأننا أردنا الرحيل، بل لأن البقاء صار مستحيلًا. تركنا خلفنا الجدران التي حفظت أصواتنا، والطرقات التي تعرف خطواتنا، والأشياء الصغيرة التي لا تُقدَّر بثمن إلا حين نضطر لتركها.
أتذكر ذلك الصباح جيدًا؛ كان مختلفًا عن كل صباحات حياتي. لم تكن الشمس دافئة كعادتها، ولا السماء مطمئنة. العيون كانت ممتلئة بالخوف، والحقائب أخفّ من أن تحمل أعمارًا كاملة. أخذنا ما استطعنا حمله، وتركنا ما ظنناه ينتظرنا حين نعود… ولم نعد.
في طريق النزوح، صار الزمن بطيئًا وثقيلًا. الأطفال يسألون أسئلة لا نملك لها إجابات، والكبار يتظاهرون بالقوة بينما قلوبهم تتكسّر بصمت. كنا نمشي بأجسادنا إلى مكانٍ جديد، لكن أرواحنا بقيت معلقة هناك، عند أبواب البيوت المغلقة.
أما الليالي، فكانت الأصعب. ننام في أماكن لا تشبهنا، ونحلم بأماكن صارت بعيدة. يزورنا الحنين فجأة، بلا استئذان، فنستيقظ على وجعٍ لا يُشفى. كل شيء كان مؤقتًا: المكان، الأمان، وحتى الابتسامة.
ورغم كل ذلك، تعلّمنا أشياء لم نكن لنتعلمها لولا النزوح. تعلّمنا الصبر، وقيمة الخبز، ومعنى أن يتقاسم الناس القليل. تعلّمنا أن الوطن ليس فقط أرضًا، بل شعور، وذكريات، ووجوه نحملها معنا أينما ذهبنا.
ذكريات النزوح لا تُنسى، لا لأنها مليئة بالألم فقط، بل لأنها غيّرتنا. جعلتنا أكبر من أعمارنا، وأكثر وعيًا بقسوة العالم، وأكثر تمسكًا بالأمل. فما زلنا نؤمن أن العودة ممكنة، وأن البيوت، مهما طال الغياب، ستتعرف علينا حين نرجع.
شهادتـي عـن النـزوح
أنا واحد/واحدة من الذين لم يختاروا الرحيل، لكنهم اضطروا إليه. يوم النزوح ما كان يومًا عاديًا في حياتي، كان اليوم اللي انقسم فيه عمري إلى قبل وبعد. خرجت من بيتي وأنا لا أعرف إن كنت سأعود، ولا متى، ولا كيف.
أتذكر لحظة الخروج جيدًا. الخوف كان حاضرًا في كل شيء: في الأصوات، في الوجوه، وحتى في الصمت. حملت معي أشياء قليلة، لكني تركت خلفي أشياء لا تُحمل: ذكرياتي، ألعابي/صوري، تفاصيل يومي، وأمان كنت أظنه دائمًا.
طريق النزوح كان طويلًا ومتعبًا. رأيت وجوهًا لا أنساها، وسمعت بكاء أطفال وأسئلة أكبر من أعمارهم. كنت أمشي، لكن قلبي كان يرتجف. كل خطوة كانت تبعدني أكثر عن حياتي السابقة، وتقرّبني من مجهول لم أكن مستعدًا له.
في مكان النزوح، لم أشعر أنني في وطني. كنا نعيش على الانتظار: انتظار الأمان، انتظار الخبر، انتظار العودة. الليالي كانت قاسية، مليئة بالقلق والتفكير. كنت أشتاق لأبسط الأشياء: غرفتي، سريري، صوت البيت، وحتى ضجيجه.
النزوح غيّرني. جعلني أكبر قبل وقتي، وعلّمني الصبر بطريقة موجعة. صرت أقدّر الأشياء الصغيرة، وأفهم معنى الفقد، وأعرف أن الأمان نعمة لا يشعر بها إلا من خسرها.
هذه شهادتي، أكتبها لأن النزوح ليس رقمًا ولا خبرًا عابرًا. هو حياة كاملة تغيّرت، ووجع ما زال يسكن فينا. وما زلت، رغم كل شيء، أؤمن أن العودة حق، وأن البيوت تنتظر أصحابها، وأن الذاكرة لن تُهزم.







