مــن فاعــل سياسـي تقليـدي بالقــيـارّة إلـى شريـــك اقتصـادي أساسي
تعرف الدبلوماسية الجزائرية خلال شهر فيفري الجاري، نشاطاً مكثفاً على عدة جبهات، في حراك يترجم ميدانياً الرؤية التي وضعها رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، للمرحلة الجديدة، والتي بدأت من سنة 2020 وفق رؤية تهدف بوضوح إلى تحويل الجزائر من مجرّد فاعل سياسي تقليدي في القارّة السّمراء، إلى شريك اقتصادي محوري يوازن بين ثقله الدبلوماسي والتاريخي والمصالح الحيوية.
تظهر قراءة الأحداث المتسارعة أنّ الجزائر بدأت تقطف ثمار مقاربتها الواقعية، التي تعطي الأولوية للتنمية كمدخل رئيسي للاستقرار، لاسيما في منطقة الساحل وعمقها الإفريقي.
في تفاصيل هذا المشهد، يتصدّر ملف العلاقات مع دول الساحل واجهة الأحداث، حيث جاء قرار رئيس الجمهورية بعودة السفير الجزائري إلى النيجر ودعوة الرّئيس النيجري لزيارة الجزائر كحدث بارز، كما أنّ القراءة هنا لا تستقيم دون النظر إلى ما سبقه من تحضير اقتصادي، فقد مهّدت الجزائر لهذه العودة السياسية بزيارة هامة لوزير الطاقة محمد عرقاب، الذي وضع ملف التعاون الطاقوي ومشروع أنبوب الغاز العابر للصّحراء على الطاولة، وهذا التسلسل في الأحداث يؤكّد أنّ الجزائر باتت تعلم أنّ لغة المصالح الاقتصادية هي الأقدر على تذويب الجليد السياسي، وأنّ ربط النيجر بشبكة مصالح طاقوية مع الجزائر هو الضامن الأكبر لاستقرار العلاقات بين البلدين الجارين.
على نفس المسار، تحرّكت الجزائر تجاه بوركينافاسو، مع زيارة الوزير عرقاب والتي حملت هي الأخرى طابعاً عملياً بحتاً استهدف دعم مسيرة التنمية في هذا البلد، من خلال مناقشة تزويده بمادة الإسمنت الجزائري والخبرة في مجال الكهرباء، وهنا تظهر الحكامة العقلانية للموقف الجزائري الذي يرى أنّ محاربة الاضطرابات في الساحل لا تكون رمزيا، بل بتوفير مواد البناء والطاقة، التي يحتاجها المواطن الإفريقي في حياته اليومية، وهو ما يعكس التزام الجزائر بجيرتها الجغرافية والتاريخية عبر حلول تنموية ملموسة، وهذا ما يعكس المبدأ العام للدبلوماسية الجزائرية في منطقة الساحل، القائم على مبدأ «التنمية أولا» ويرفض أي تدخّلات أجنبية لاسيما العسكرية منها.
بالانتقال من الجوار إلى البعد القاري، كان للجزائر حضور لافت في أديس أبابا خلال اليومين الماضيين، حيث عرض كاتب الدولة سفيان شايب حصيلة رئاسة الجزائر للآلية الإفريقية للتقييم من قبل النظراء (MAEP) لعام 2025، والنقطة الجوهرية التي برزت هي الدفع القوي الذي مارسته الجزائر لإنشاء «وكالة تصنيف ائتماني إفريقية»، في خطوة عملية تهدف لحماية اقتصاديات الدول الإفريقية، من تقييمات الوكالات الأجنبية التي غالباً ما تكون غير عادلة، وهذا يؤكّد أنّ رئيس الجمهورية يعمل على تحصين القارة بأدوات مالية سيادية أكثر عدالة، وهو ما لقي إشادة واسعة من الوفود المشاركة، التي رأت في الدور الجزائري نموذجاً للقيادة الرّشيدة التي تهتم بتعزيز الحوكمة الاقتصادية.
في سياق الشراكة مع أوروبا، شارك الوزير الأول، السيد سيفي غريب، ممثلاً لرئيس الجمهورية في القمة الإيطالية-الإفريقية، حاملاً رسالة واضحة مفادها أنّ الجزائر تدعم «خطة ماتي» بشرط أن تكون شراكة ندية، وقد استدل الوزير الأول بمشاريع حقيقية على الأرض، مثل المشروع الزراعي في تيميمون ومركز التكوين في سيدي بلعباس، ليؤكّد للإيطاليّين أنّ الجزائر تبحث عن شراكة تنقل التكنولوجيا وتخلق الثروة محلياً، وليس مجرّد علاقة تجارية، مبرزاً دور الجزائر كمورد موثوق للغاز وشريك استراتيجي يسعى لتحقيق الأمن الغذائي والطاقوي للجانبين.
هذا الزخم الدبلوماسي متواصل بمشاركة الوزير الأول في القمة العادية للاتحاد الإفريقي، التي ركّزت على ملف «الموارد المائية»، حيث ربطت الجزائر في طرحها بين توفّر المياه واستتباب الأمن، مؤكّدة التزامها بأجندة 2063، فالجزائر تنظر إلى قضايا المياه والصرف الصّحي كركائز أساسية للتنمية، وتدعو دائماً لتنسيق الجهود القارية لمواجهة هذه التحديات، مع تجديد موقفها الثابت الداعم للحلول السلمية للنزاعات في القارة.
يؤكّد العديد من المتابعين بأنّ النشاط الذي ميّز الدبلوماسية الجزائرية خلال شهر فيفري الجاري، هو تطبيق عملي لمنهجية رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون للمرحلة 2020-2027، والتي نقلت الجزائر من مربع البيانات السياسية إلى مربع الفعل الاقتصادي، حيث أصبحت التحرّكات الخارجية محسوبة بدقة لخدمة التنمية الداخلية وتعزيز الاستقرار الإقليمي، ما جعل الجزائر رقماً صعباً في المعادلة الإفريقية، توازن بحكمة بين دورها السياسي التاريخي وبين طموحها الاقتصادي المشروع.


