جدّد الوزير الأول الصحراوي، السيد بشرايا حمودي بيون، في كلمته أمام القمة الإفريقية، التأكيد على أن الاستعمار ليس مجرد مرحلة من الماضي، بل جريمة مكتملة الأركان ضد الإنسانية، داعيا إلى تبني موقف واضح يقرّ بالطابع الإجرامي للاستعمار، باعتباره منظومة ممنهجة مبنية على الحرمان من السيادة ونهب الثروات والإبادة الجماعية وتشويه الذاكرة التاريخية للشعوب.
أكد الوزير الأول الصحراوي في مداخلته، أن الواجب الأخلاقي والتاريخي يفرض على القادة الأفارقة الانتقال من الإدانة الرمزية إلى إجراءات عملية تكرّس العدالة الإصلاحية، بما يشمل الاعتراف الرسمي بالجرائم المرتكبة، وتعويض الشعوب المتضررة، واستعادة الثروات المنهوبة، وصون الحق غير القابل للتصرف في تقرير المصير.
وقال السيد بشرايا حمودي بيون أن: «الاستعمار لم يكن يوماً صفحة عابرة من الماضي يمكن طيّها بالصمت أو النسيان، بل كان ولايزال مشروعاً منهجياً للهيمنة والسيطرة والاستغلال، بُني على نزع السيادة، ونهب الثروات، والإبادة الجماعية، وامتهان الإنسان الأفريقي في كرامته وهويته ومستقبله، وأخطر من ذلك بني على السيطرة على السردية، ومحاولة تزوير التاريخ، ومحو الذاكرة، وهو ما لا يحق لنا كأجيال أن نسمح به، من أجل أجيالنا الصاعدة.»
تقريـر المصـير حـق ثابـت
وأضاف في مداخلته: «لقد جُرّدت إفريقيا من إنسانيتها، ومُزّقت مجتمعاتها، وزُرعت فيها صدمات جماعية لا تزال آثارها ماثلة في واقعنا السياسي والاقتصادي والاجتماعي. ولم يكن النهب المنهجي للموارد، وقمع الثقافات والهويات، وإنكار حق الشعوب في تقرير مصيرها وسيادتها على أرضها وثرواتها، أخطاء معزولة أو تجاوزات فردية، بل سياسات مدروسة ومقصودة ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية، وجرائم الإبادة، وجرائم حرب.»
وعليه، كما أضاف، «فإن الواجب الأخلاقي والتاريخي يفرض علينا أن نكون واضحين وصريحين في الاعتراف بأن الاستعمار جريمة كاملة الأركان ضد الإنسانية، وبأن آثاره المدمرة لا تزال تطال حاضرنا ومستقبل أجيالنا، كما مسّت ماضيهم وربما بشكل أخطر.
وقال: «لا يزال إرث الاستعمار الثقيل حاضراً في الفوارق الاقتصادية الصارخة، وفي النزاعات وعدم الاستقرار السياسي، وفي الظلم الاجتماعي الذي تعانيه شعوبنا، بما في ذلك شعب الجمهورية الصحراوية، الذي يواصل نضاله المشروع من أجل حقه غير القابل للتصرف في تقرير المصير، في مواجهة استعمار قديم ومتجدد لم تتغير أدواته ولا عدائيته وإجرامه ولا إصراره على انتهاك كل القواعد، والقوانين، والمبادئ الدولية.»
الاستعمـار جريمـة كاملـة
كما دعا الوزير الأول الصحراوي إلى الاعتراف الجماعي بالاستعمار كجريمة ضد الإنسانية وكإبادة جماعية بحق الشعوب الأفريقية. وقال «إن هذا الاعتراف لا يمكن أن يكون رمزياً. فالعدالة الحقيقية تقتضي إجراءات ملموسة للعدالة الإصلاحية، تتحمل فيها القوى الاستعمارية السابقة مسؤولياتها كاملة، من خلال التعويض عن الأضرار، وترميم الذاكرة التاريخية، والكشف عن حقيقة الجرائم المرتكبة».
تأكيد على الثوابت والمبادئ الأفريقية
هذا، وأكدت الجمهورية الصحراوية تمسكها الراسخ بالثوابت والمبادئ التي تأسس عليها الاتحاد الإفريقي، وفي مقدمتها مناهضة الاستعمار بكافة أشكاله، والدفاع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها.
وشمل جدول أعمال القمة عرض تقرير حول تجريم الاستعمار والتمييز العنصري، وهو ملف يكتسي أهمية خاصة بالنسبة للجمهورية الصحراوية، في ظل استمرار معاناة شعبها من الاحتلال وحرمانه من حقوقه المشروعة بسبب إصرار دولة الاحتلال المغربي على تعطيل كل الحلول السلمية لإنهاء تصفية الاستعمار من الجمهورية الصحراوية.
وخلال أشغال القمة 39، سجل الوفد الصحراوي حضوراً فاعلاً من خلال عدة مداخلات شددت على ضرورة تعزيز العمل الإفريقي المشترك، وتكريس دور مؤسسات الاتحاد في مواجهة التحديات السياسية والتنموية، بما يخدم أهداف القارة وتطلعات شعوبها في الحرية والتنمية، بالإضافة إلى التعليق على تقارير مثل تقرير السلم والأمن، أو تقرير رئاسة جنوب أفريقيا لمجموعة العشرين.
كما أجرى الوفد الصحراوي، سواء خلال الدورة 48 للمجلس التنفيذي، أو خلال قمة الرؤساء لقاءات مع عدد من رؤساء الوفود المشاركة، تناولت القضايا ذات الاهتمام المشترك وسبل تطوير العلاقات الثنائية، بما يعزّز حضور الجمهورية الصحراوية في الفضاء الإفريقي.


