صحــراوي لـــــ«الشعـب»: الرّؤيـــة الجزائريــة تجـــاوزت الخطـاب إلـى التطبيـــق
شكّلت مخرجات الدورة 39 لقمة الاتحاد الإفريقي المنعقدة في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، خطوة عملية متقدمة في مسار تعزيز العمل الإفريقي المشترك، حيث تجاوزت مخرجات القمة هذه المرّة الطرح التقليدي لقضايا الذاكرة والاستعمار، لتدخل مرحلة المأسّسة القانونية والعملية، حيث اعتمد قادة الدول والحكومات المشاركون بشكل رسمي «إعلان الجزائر» المتعلّق بجرائم الاستعمار، وهو القرار الذي جاء ثمرة للنقاشات المستفيضة التي شهدها الاجتماع رفيع المستوى المخصّص لهذا الملف.
حظيت الوثيقة بإجماع قاري واسع، حيث اعتبرت القمة أنّ هذا الإعلان يمثل خارطة طريق مهمة وواضحة المعالم لتجريم الممارسات الاستعمارية السابقة، والمطالبة بمعالجة آثارها المستمرة إلى غاية اليوم.
في سياق متصل، ثمّن القرار الصادر عن القمة الجهود الكبيرة التي بذلتها الجزائر في هذا الملف الحساس، مرحّباً باستضافتها للمؤتمر الدولي حول جرائم الاستعمار في إفريقيا، الذي انعقد في شهر نوفمبر الماضي، والذي شكّل أرضية صلبة وبداية حقيقية لبلورة الموقف الإفريقي الموحّد، علاوة على ذلك، أعرب القادة الأفارقة عن تقديرهم العميق للدور الذي يلعبه رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، في الدفاع عن الذاكرة الجماعية للقارة، وهو الجهد الذي تكلّل بترسيم تاريخ 30 نوفمبر يوماً إفريقياً للشّهداء الأفارقة وضحايا تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي، والاستعمار، ونظام الفصل العنصري، في خطوة تهدف إلى حماية السّردية التاريخية الإفريقية من التزييف والنسيان، وضمان بقاء هذه القضايا حية في وجدان الأجيال الصاعدة.
بالموازاة مع الشّق السياسي والحقوقي، أولت القمة حيّزاً كبيراً لملف التكامل الاقتصادي والبنية التحتية، حيث اعتمد الاتحاد الإفريقي قراراً خاصاً يهنّئ الرئيس عبد المجيد تبون على النجاح الباهر، الذي حقّقته الجزائر في استضافة معرض التجارة البينية الإفريقية في سبتمبر 2025، وأشاد القرار بالدور الرّيادي الذي تضطلع به الجزائر في مجال الدفع بعجلة الاندماج القاري، والذي تجلّى بوضوح من خلال الإشراف على تنفيذ مشاريع هيكلية كبرى عابرة للحدود، وفي مقدمتها مشروع الطريق السريع عبر الصّحراء الكبرى، ومشروع «العمود الفقري» للألياف البصرية الذي يهدف لربط القارة رقمياً، بالإضافة إلى مبادرات السّكة الحديدية العابرة للصّحراء، حيث أكّد القادة أنّ هذه المشاريع تتماشى تماماً مع تطلّعات «أجندة 2063» الهادفة إلى خلق شبكة لوجستية موحّدة تعزّز التبادل التجاري وتفكّ العزلة عن الدول الحبيسة.
في قراءته للأبعاد الاستراتيجية لهذه المخرجات، يوضّح الدكتور صحراوي مصطفى، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في تصريح لـ»الشعب»، أنّ الجزائر نجحت في فرض مقاربة شاملة تربط بين استعادة الحقوق التاريخية وبناء القوة الاقتصادية، مشيراً إلى أنّ ملف تجريم الاستعمار في الرؤية الجزائرية انتقل من مرحلة الخطابات السياسية إلى مرحلة المطالبة القانونية بالتعويض، ويؤكّد الدكتور صحراوي أنّ هذا التوجّه يستند إلى قاعدة قانونية صلبة مفادها أنّ جرائم الإبادة والنهب الممنهج للثروات لا تسقط بالتقادم، وأنّ التعويضات هي حق أصيل للشعوب الإفريقية، نظير ما تعرّضت له من استنزاف لمقدراتها طيلة قرن من الزمن، واستمرار هذا النزيف بأشكال مختلفة خلال فترات ما بعد الاستقلال، ممّا يضع القوى الاستعمارية السابقة أمام استحقاقات قانونية وأخلاقية لا مفرّ منها.
كذلك، يربط الدكتور صحراوي بين هذا المسار الحقوقي والمساعي الاقتصادية، موضّحاً أنّ الجزائر تدرك أنّ السّيادة السياسية تظل منقوصة دون سيادة مالية، ومن هنا يأتي التركيز على آليات مثل «التصنيف الائتماني الإفريقي» والتشجيع على القروض «الإفريقية-الإفريقية» عبر مؤسّسات مالية تابعة للاتحاد، ويرى المتحدث أنّ هذه الخطوات تتعدى كونها مجرّد خيار، بل أصبحت ضرورة ملحّة لمواجهة «المشروطية السياسية» التي تفرضها المؤسّسات المالية الدولية الكبرى والدول المانحة، والتي غالباً ما تستخدم الديون كأداة للتدخّل في القرارات السيادية للدول الإفريقية وتوجيه سياساتها الداخلية، وبالتالي فإنّ التحرّك الجزائري يهدف في جوهره إلى تحرير القرار الإفريقي من خلال تحرير اقتصاده، وبناء منظومة قارية متكاملة تعتمد على مواردها الذاتية ومؤسّساتها المستقلة، وهو ما يجسّده الربط بين مشاريع البنية التحتية العملاقة وبين استعادة الذاكرة والكرامة الإفريقية.


