وضعت كلمة رئيس الجمهورية، بمناسبة انعقاد أشغال القمة الإفريقية–الإيطالية بأديس أبابا، إطارا واضحا لشراكة تقوم على التنمية واحترام السيادة والالتزام بالتنفيذ، وتمثل فضاء عاما للتعاون من أجل مسار تنموي مستدام، يتيح تحوّلا هيكليا داخل الاقتصادات الإفريقية، بحسب ما أبرزَه المستشار الدولي في التنمية الاقتصادية عبد الرحمان هادف.
أوضح الخبير الاقتصادي عبد الرحمان هادف، في تصريح لـ»الشعب»، أنّ كلمة رئيس الجمهورية في القمة الإفريقية-الإيطالية المنعقدة بأديس أبابا، تؤكّد أنّ نجاح أي شراكة جديدة يظلّ مرهونا بقدرتها على دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية في إفريقيا، واحترام السّيادة الوطنية، وضمان التنفيذ الفعلي للمشاريع.
يضيف هادف أنّ هذا الطرح يفتح المجال لقراءة أعمق في القطاعات التي يمكن أن تتحول، عبر هذه الشراكة، إلى قاطرة لمسار تنموي إفريقي مستدام وقوي. ويرى أنه إذا كانت «خطة ماتي»، المرتبطة باسم إنريكو ماتي، تطرح إطارا عاما للتعاون، فإنّ قيمتها الحقيقية تكمن في كيفية توجيهها نحو قطاعات استراتيجية قادرة على إحداث تحول هيكلي داخل الاقتصادات الإفريقية. وأشار إلى أنّ الطاقة يمكن تحويلها من مورد خام إلى منظومة صناعية متكاملة، وهو ما يمثل نقطة الانطلاق الطبيعية للشراكة، خاصة في ظل التجربة الجزائرية-الإيطالية من خلال التعاون بين سوناطراك وإيني.
غير أنّ الرؤية الاستراتيجية، يستدرك الخبير، يجب أن تتجاوز تصدير الغاز نحو بناء منظومة صناعية مرتبطة بالطاقة، بما يسمح بتطوير صناعات تحويلية تعتمد على الغاز كمادة أولية، مثل البتروكيمياء والأسمدة، بما يعزّز القيمة المضافة محليا. كما يمكن، بحسبه، توجيه استثمارات مشتركة نحو الطاقات المتجدّدة، لاسيما الطاقة الشمسية في دول الساحل والصّحراء، وربطها بمشاريع لإنتاج الهيدروجين الأخضر وتصديره.
ويؤكّد هادف أنّ هذا النوع من المشاريع يرسّخ تموقع إفريقيا في مسار التحول الطاقوي العالمي. كما يشير إلى أنّ البنى التحتية تشكّل العمود الفقري لأي تحول اقتصادي، وأنّ غيابها يمثل أحد أبرز معيقات النمو في القارة.
من هذا المنطلق، يمكن للشراكة أن تركّز على تطوير الموانئ والسّكك الحديدية والطرق العابرة للحدود، إلى جانب شبكات الربط الكهربائي الإقليمي. كما أنّ تطوير موانئ متوسطية وإفريقية متكاملة وربطها بشبكات لوجستية حديثة، من شأنه خفض تكاليف النقل وتعزيز سلاسل القيمة القارية.
يرى الخبير هادف أنّ الشراكة الجديدة يمكن توجيهها نحو إنشاء مناطق صناعية مشتركة، خاصة في مجالات الصناعات الغذائية والصناعات الميكانيكية الخفيفة ومعدّات الطاقات المتجدّدة. ويعطي مثالا عن الجزائر التي يمكنها تطوير صناعات مرتبطة بسلاسل القيمة الطاقوية والزراعية، مع فتح آفاق للتصدير نحو العمق الإفريقي، وهو توجّه ينسجم مع رؤية الاتحاد الإفريقي لتعزيز التصنيع القاري.
كما أشار المتحدث إلى أنّ المشاريع الزراعية المتكاملة التي وردت في كلمة الرّئيس تمثل نموذجا قابلا للتعميم، بحيث لا يقتصر التعاون على الإنتاج فحسب، بل يشمل البحث الزراعي والتكوين ونقل التكنولوجيا، إلى جانب تطوير صناعة الأسمدة والبذور المحسّنة والميكنة الزراعية، بما يمكن أن يحدث نقلة نوعية في الإنتاجية.
أكّد هادف أهمية الاقتصاد الرّقمي باعتباره رافعة للقفز التنموي وفرصة تاريخية لتجاوز بعض مراحل التنمية التقليدية. ويمكن للشراكة، في هذا السياق، دعم إنشاء مراكز بيانات إقليمية، وتطوير البنية التحتية للاتصالات، وتعزيز الخدمات المالية الرّقمية، وحاضنات الابتكار لفائدة الشباب. ويرى أنّ الاستثمار في التحول الرّقمي لا يخلق فقط وظائف جديدة، بل يعزّز الشفافية والاندماج المالي ويرفع كفاءة الإدارة العمومية، بما ينعكس إيجابا على مناخ الاستثمار.




